
مناسبة الأحكام الإلهية للفطرة الإنسانية
في هذه المحاضرة المخصّصة لاستعراض بعض مباني السير والسلوك المتعلقة بالمرأة و الأسرة، والتي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني (قدس الله سره) على بعض الأخوات المؤمنات في قمّ المقدّسة، تطرّق سماحته للجواب عن السؤال التالي: لماذا تبدو المباني والقواعد الشرعية وكأنَّها تظلم أحد شريكي الحياة؟ ثم تطرق إلى موضوع آخر وهو بيان خطورة هوى النفس عند من يتصدى للمناصب الاجتماعية، وذكر قصة الميرزا محمد تقي الشيرازي في سياق تهذيب نفسه وتقواه وزهده في الدنيا رحمة الله عليه، ثم بيّن سبب اعتراض السيدة الزهراء عليها السلام على أمير المؤمنين عليه السلام في مسألة السكوت عن الغاصبين، وفي النهاية أجاب عن بعض أسئلة الحضور.
مناسبة الأحكام الإلهية للفطرة الإنسانية
4ففي أيّ مجال من المجالات يكون للنفس فيه دور، سوف يجري الحكم وفقًا للأهواء النفسيّة حتى وإن كان ذلك المجال يحمل الطابع الإلهي، فكيف بنا فيما إن كان هذا المجال هو مجال دنيوي واجتماعي وسياسي من الأساس. إنَّ السبب في كلّ ذلك يعود إلى أنَّ الهدف من القيام ببعض الأعمال يكون من أجل السعي للوصول إلى المقاصد النفسية، غير أنَّ عبارات وأمورًا أخرى يجري ضمّها إلى الموضوع؛ فالهدف الأساسي يكون في حصول النفس على مصالحها ولذائذها الدنيوية، على أنَّ هذا الأمر يتقولب بقالب القيام بتقديم الخدمات إلى الناس، وقالب تنظيم أمور المجتمع وإدارة نظام الحكم وتقديم الخدمات الاجتماعية، أمّا في حقيقة الأمر، فلا تكون أيّة واحدة من هذه الأمور هي المطلوبة بحدّ ذاتها، بل إنَّ صاحبها يريد أن يصل إلى أهوائه النفسيّة، ويصل إلى نيل ملذاته، مثل لذّة استلام السلطة، والتولّي على الناس؛ فالمسألة لا تتعدّى كونها مسألة نفسيّة. إن قيل لأحدهم: إن كنت تريد أن تقوم بتقديم الخدمات إلى الناس، فاجلس في بيتك، ولا تقم بأيّ عمل، لقال: كلّا، لا يمكن أن يحصل ذلك، لأنَّه سيؤدِّي إلى تعطيل النشاطات التي تكون الناس بحاجة إليها، فكيف يمكن لي أن أجلس في بيتي؟ بل يجب على الإنسان أن يشتغل بشيء ما، فلا يُعدّ فضلًا لأحدهم أن يجلس في بيته. إنَّ هذا الأمر سوف لن يختلف شيئًا فيما إن جرى ذلك في المجالات الدنيوية، أو جرى في مجال التشريع وبيان الأحكام وتبليغ ونشر الوعي الديني، نعم، سوف لن يفرق الأمر شيئًا.
كنت أطالع وقبل عدة ليالٍ المذكرات الخطيّة المتفرّقة للمرحوم العلاّمة، فرأيت حكاية ملفتة للنظر. كان المرحوم العلاّمة في أيّام حياته يمدح المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي، الذي كان أستاذ أبيه ـ أيّ أستاذ جدّي ـ كثيرًا؛ وكان يصفه بالقداسة والتقوى والزهد والإعراض عن الدنيا وعدم الاهتمام بأمر تولّي الرئاسة والتعنون وما شابه ذلك من أمور، وهو نفس الرجل الذي كان قد ذكر اسمه في مقدمة كتاب التوحيد العلمي والعيني؛ وذلك عندما كان يتكلّم عن شخصية السيّد أحمد الكربلائي. لقد كان الرجل رجلًا زاهدًا للغاية، وكان عابدًا ومُعْرضًا عن الدنيا، وكان واحدًا من التلامذة البارزين جدًا للمرحوم الميرزا حسن الشيرازي؛ ذلك الرجل المعروف الذي كان قد حرّم تدخين التبغ، بل يمكن القول بأنَّه كان يُعدَّ تلميذه الأول، ولقد انتقل مقام المرجعيّة إلى الميرزا محمّد تقي بعد وفاة الميرزا الشيرازي.
