
مناسبة الأحكام الإلهية للفطرة الإنسانية
في هذه المحاضرة المخصّصة لاستعراض بعض مباني السير والسلوك المتعلقة بالمرأة و الأسرة، والتي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني (قدس الله سره) على بعض الأخوات المؤمنات في قمّ المقدّسة، تطرّق سماحته للجواب عن السؤال التالي: لماذا تبدو المباني والقواعد الشرعية وكأنَّها تظلم أحد شريكي الحياة؟ ثم تطرق إلى موضوع آخر وهو بيان خطورة هوى النفس عند من يتصدى للمناصب الاجتماعية، وذكر قصة الميرزا محمد تقي الشيرازي في سياق تهذيب نفسه وتقواه وزهده في الدنيا رحمة الله عليه، ثم بيّن سبب اعتراض السيدة الزهراء عليها السلام على أمير المؤمنين عليه السلام في مسألة السكوت عن الغاصبين، وفي النهاية أجاب عن بعض أسئلة الحضور.
مناسبة الأحكام الإلهية للفطرة الإنسانية
14يقول من لم يستطع أن يهضم الأمر ويفهمه: إنَّ الزهراء كانت تقوم بأداء دور تمثيلي هنا، وكما يحصل في الأفلام التي تُنتج، فينتحل الممثلون صفات أشخاص مختلفين ويؤدّون أدوارهم، فهكذا عملت الزهراء من أجل أن تُظهر مظلوميتها. فهل يكون الأمر بهذا الشكل في واقع الأمر، أم أنَّه كان بشكل آخر؟ لقد سكت أمير المؤمنين ولم يجبها بشيء، وعندما رأت أمير المؤمنين لا يجيبها، تألمت وقالت: لماذا لا تجيبني على ما قلت؟ فقال لها: اصبري قليلًا، فصبرت حتى حان موعد آذان الظهر، وعندما قال المؤذّن: أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، قال لها: أتريدين أن يبقى اسم أبيك أم لا؟ فإن كنت تريدين ذلك، فلا تقولي شيئًا.
لاحظوا، إنَّ أمير المؤمنين إمام، وله سعة وجودية وقابلية للتحمّل لا تمتلكها الزهراء، وعلى الرغم من علّو مقامها، وهذا هو أمر في غاية التعقيد؛ فقد كانت الزهراء قد وصلت إلى مقام القدس والطهارة ومقام العصمة في ذلك الوقت، غير أنَّ طبيعة خلق الزهراء كانت بشكل، وأمير المؤمنين بشكل آخر، هذا ما يمكن أن يُفسّر الأمر بأبسط صوره. كانت طبيعة الزهراء بهذا الشكل؛ فقد كانت شاكلتها تتمتّع بالصفاء واللطف والظرافة والجمال والبهجة ومنتهى الدقّة، بينما كانت شاكلة أمير المؤمنين بشكل آخر؛ فكان يتمتّع بالجانب الرجولي، وسعة الصدر وتحمّل الشدائد. ويكفينا أن نعرف هنا كيف إنَّ الزهراء لم تتحمّل ما حصل لها بعد وفاة الرسول، وماتت بعده بشهرين ونصف على أثر الغصّة، نعم لدينا روايات تشير إلى أنَّ الزهراء ماتت على أثر شدة الحزن والغصّة والأسى، فلم تتحمّل ما كان قد حصل. وهذا ما كان قد حصل للسيّدة زينب أيضاً وعلى الرغم من عِظم مقامها، فقد توفيت بعد سنة من شهادة الإمام الحسين عليه السلام؛ فبحسب ما يُنقل فقد كانت وفاتها في الفترة الواقعة بين سنة وثلاث سنوات من شهادة الإمام الحسين؛ ولذلك لامتلاء تلك السعة التي كانت تمتلكها، هذا مع كلّ ما نعرفه عنها.
كانت طبيعة أمير المؤمنين بشكل آخر؛ فعندما أخذوا أمير المؤمنين للبيعة، جاءت الزهراء إلى المسجد وقالت: ما دمت على قيد الحياة، فسوف لن أدع مثل هذه البيعة تحصل، وعندما وقفوا بوجهها، أرادت أن تدعو عليهم، فأمر أمير المؤمنين سلمانًا أن يحول دون دعائها في الحال، فلو أنَّها دعت عليهم لانطبقت السموات على الأرض. نعم هكذا كانت السيّدة الزهراء، فلا تتصوّروا بأنَّها كانت امرأة عادية.
