
مناسبة الأحكام الإلهية للفطرة الإنسانية
في هذه المحاضرة المخصّصة لاستعراض بعض مباني السير والسلوك المتعلقة بالمرأة و الأسرة، والتي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني (قدس الله سره) على بعض الأخوات المؤمنات في قمّ المقدّسة، تطرّق سماحته للجواب عن السؤال التالي: لماذا تبدو المباني والقواعد الشرعية وكأنَّها تظلم أحد شريكي الحياة؟ ثم تطرق إلى موضوع آخر وهو بيان خطورة هوى النفس عند من يتصدى للمناصب الاجتماعية، وذكر قصة الميرزا محمد تقي الشيرازي في سياق تهذيب نفسه وتقواه وزهده في الدنيا رحمة الله عليه، ثم بيّن سبب اعتراض السيدة الزهراء عليها السلام على أمير المؤمنين عليه السلام في مسألة السكوت عن الغاصبين، وفي النهاية أجاب عن بعض أسئلة الحضور.
مناسبة الأحكام الإلهية للفطرة الإنسانية
11وكأنَّ قوت المسلمين متوقف على معرفة عدد المساجد والشوارع الموجودة في مكة وعلى معرفة عدد الأغنام التي ترعى في مراعيها. قال لي: قل للمرحوم العلاّمة، ما الذي سأفعله والحال هذه؟
بما أنَّني أعرف طبيعة المرحوم العلاّمة، فقلت في نفسي لو أنَّني قمت بإيصال هذه الرسالة إليه، فسوف ينهرني، ويقول لي: ولماذا تُوصل إليَّ مثل هكذا رسالة؟ ومع هذا فقد ذهبت إلى المرحوم العلاّمة مصحوبًا بألف من حالات الخوف، فجلست أمامه جاثيًا على ركبتي وبكلّ أدب، وقلت له: إنَّ فلانًا أوصاني بإيصال هذه الرسالة لكم، وهو يقول: إنَّني أُعدُّ كتابًا... فلم يدعني أكمل جملتني، بل قاطعني وقال: قلت له لا تذهب، والأمر متروك له، انهض واذهب لحال سبيلك، قلت: سمعًا وطاعة. فرجعت إلى الرجل وقلت له: يقول السيّد العلاّمة: إنَّ ما يتوجّب عليَّ هو أن أقول ما أعرفه، والأمر متروك لك، فإن كنت تريد أن تذهب، فافعل ذلك.
حصل في ذلك العام أن قرّرت الذهاب إلى الحجّ، والذي هو الحجّ الثاني لي بعد ذلك الحجّ الذي كان قد حصل قبل ثلاثة وعشرين عامًا، وعندما كنت أتكلّم معه التفت إليَّ وقال بنبرة خاصة: لقد منَّ الله عليك بهذا التوفيق الذي لم يمنحني مثله. رأيت بأنَّ كلامه هذا يتضمّن تعريض وفيه كناية، فما معنى قوله: منحك الله التوفيق لكي تتشرّف بالذهاب للحجّ، أمّا أنا فليس لي مثل هذا التوفيق، ولكن ما الذي يمكن فعله؟ فقلت له: بناءً على قولك هذا، فقد كنتُ مسلوب التوفيق طوال مدة الثلاثة والعشرين سنة السابقة التي لم أتمكّن فيها من الذهاب إلى الحجّ! فهذه هي المرّة الثانية لي فقط. قلت في نفسي: دعني أمدّه بالمزيد، فذلك خير له، قلت له: كما أنَّ المرحوم الحدّاد الذي لم يذهب إلى الحجّ سوى مرّة واحدة في عمره، سيكون الأقلّ توفيقًا منَّا جميعًا، فالمرحوم الحدّاد قد حجَّ مرة واحدة فقط في حياته، بينما حجّ المرحوم العلاّمة سبع مرات على ما يبدو.
مضى وقت على هذه القضيّة، وكنت أجلس مع المرحوم العلاّمة يومًا فجرى بيننا حديث عن هذا النوع من السفر، قال المرحوم العلاّمة: إنَّ النفس تريد أن تصل إلى نوعٍ من اللذة، فتجعل من هذه الأمور وسيلة لتحقيقها، فتبدأ بالبحث عن مبرّرات وتقوم بنسج الأدلّة. على أنَّ المرحوم العلاّمة لم يكن يقصد شخصًا بعينه في كلامه هذا، بل كان يتكلّم بشكل عام. إنَّ أساس الموضوع يتمثّل في سعي النفس للتلذّذ بأمرٍ ما، والوصول إلى أمنيتها وما تريد، فتقوم عندها بجمع الأدلّة التي تؤيّد ذلك، فتقول: يجب أن تجري الأمور بهذا الشكل، ولا يجب أن يحصل ذلك الأمر، ويكمن في هذا العمل الصلاح والمنفعة. ما أنت وهذا الأمر يا هذا؟
