
مناسبة الأحكام الإلهية للفطرة الإنسانية
في هذه المحاضرة المخصّصة لاستعراض بعض مباني السير والسلوك المتعلقة بالمرأة و الأسرة، والتي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني (قدس الله سره) على بعض الأخوات المؤمنات في قمّ المقدّسة، تطرّق سماحته للجواب عن السؤال التالي: لماذا تبدو المباني والقواعد الشرعية وكأنَّها تظلم أحد شريكي الحياة؟ ثم تطرق إلى موضوع آخر وهو بيان خطورة هوى النفس عند من يتصدى للمناصب الاجتماعية، وذكر قصة الميرزا محمد تقي الشيرازي في سياق تهذيب نفسه وتقواه وزهده في الدنيا رحمة الله عليه، ثم بيّن سبب اعتراض السيدة الزهراء عليها السلام على أمير المؤمنين عليه السلام في مسألة السكوت عن الغاصبين، وفي النهاية أجاب عن بعض أسئلة الحضور.
مناسبة الأحكام الإلهية للفطرة الإنسانية
10كان المرحوم العلاّمة قد قال لأحدهم عليك أن تلبس العمامة. أتذكّر بأنَّني كنت قد تكلّمت مع هذا الشخص لمدة ثمانية ساعات حول هذا الموضوع في شتاء إحدى الليالي؛ فتكلّمت معه من الساعة الثامنة مساءً وحتّى الرابعة صباحًا، وعندما أغلقت كافة السبل بوجهه، قال: إنَّ نفسي لا تطاوعني على ذلك يا سيدي العزيز، قلت له: رحم الله والديك، كان عليك أن تقول ذلك منذ البداية، فها قد أوجعت رأسي، وأتعبت لساني، وما كان لنا أن نتجشم عناء كلّ هذا الكلام.
الجواب عن الإشكال: منشأ الظلم هو طغيان النفس لا التشريعات الإلهية
فيما يتعلّق بسؤالك على كلّ شخص أن يتحمّل تبعات أعماله ويكون مسئولًا عنها، فهناك ميزان حقّ منصوب، وعلى كلّ واحد أن يكون مراقبًا لأعماله وتصرفاته. نعم، حصل الكثير من الظلم في هذا العالم، فمنذ بداية التأريخ وإلى يومنا هذا، كانت الأحداث مليئة بالظلم والاستبداد وإماتة الحقّ ووضعه تحت الأقدام، وعلى كلّ واحد أن يواجه ما يترتب على ما يصدر عنه من تبعات.
إنَّ أمر النفس هو أمر مهم، ولقد رأينا كيف أنَّ المرحوم العلاّمة لم يكن ـ في كثير من الأحيان ـ يقوم بإيضاح الدليل على ما كان يُوصي أو يأمر به من تلك الأمور المتعلّقة بهذا الجانب في تعامله مع الآخرين، فهذا ما كنَّا نشاهده منه بالفعل. عندما كان يأتيه من يستجيزه القيام بعمل ما، كان المرحوم العلاّمة يقول له: كلّا، [لا أسمح بذلك] وعندما كان يُطالبه بالدليل على ذلك، كان يقول: وما يُدريني! وعندما يقول له أحد: أريد أن أقوم بالعمل كذا، كان يقول له: كلّا، لا تقم به، فيقول الشخص: ولكن لهذا العمل كذا وكذا من الإيجابيات، كان المرحوم العلاّمة يكتفي بالنظر في وجهه، فيعيد الرجل ويقول: لهذا العمل تلك المميزات، ويبقى المرحوم العلاّمة ينظر في وجهه.
كان أحد الأشخاص يعمل كمشرف ديني على قوافل الحج، وكان يذهب إلى مكة سنويّاً، وكنت أشعر بأنَّ المرحوم العلاّمة لم يكن على رضًا مما يقوم به هذا الشخص، ولكنَّه لم يكن يتدخّل في عمله، حتّى حصل أن طلب هذا الشخص من المرحوم العلاّمة أن يتتلمذ على يديه، وعند حلول موسم الحجّ منعه المرحوم العلاّمة وبشكل صريح من الذهاب، وقال له: لا تذهب، فاضطرب حال الرجل، وأخذ يلفّ ويدور وهو يقول: إنَّ المسلمين والمؤمنين بحاجة إلى مرشد، وكيف سيكون حالهم بدون ذلك وأخذ يقول كذا وكذا من الكلام. كان من أمثال هذا الكلام يصل إلى مسامع المرحوم العلاّمة بشكل أو بآخر، ولم يكن يلتفت إليه أبدًا وكان يتعامل مع الموضوع بالشكل الذي كأنَّ شيئًا لم يكن قد قيل. حتى اقترب موسم الحجّ، الأمر الذي بعث على اشتداد حالة الشوق في نفس الرجل، فرآني وأوصني بأن أوصل إلى المرحوم العلاّمة هذه الرسالة، وهي: إنَّني أقوم خلال تلك الفترة بعمل خاص، وها أنا أقوم بتأليف كتاب يتضمن خارطة مكة وما فيها من مساجد، وقد قمت ولحدّ الآن بالكثير من البحث والتحقيق بهذا الشأن، وسوف لن يكتمل إنجاز هذا العمل، الأمر الذي سيؤدِّي إلى حرمان المسلمين من فائدة عظيمة.
