
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
ودور أولي الأمر في التربية
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى بدايةً إلى بيان معنى الولاية وحقيقتها، ثمّ تحدّث عن علاقة أولي الأمر بالتوحيد والمعارف الإلهيّة، ليستنتج من ذلك أنّ مدرسة التشيّع هي مدرسة التربية؛ وفي الأخير، تطرّق لقصّة زيارة الحارث الهمدانيّ لأمير المؤمنين عليه السلام، مستعرضًا في ضمنها مجموعة من المسائل والنكات القيّمة.
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
4﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَ قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.۱
أي: لو أنّا كتبنا عليهم وحكمنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم وارحلوا عن أوطانكم واخرجوا منها، لما أصغوا إلى كلامنا هذا وأوامرنا هذه، اللهمّ إلاّ قليلاً من المؤمنين؛ في حين أنّه لو خضع كافّة الناس لكلامنا، لكان ذلك جيّدًا جدًّا بالنسبة إليهم، ولأدّى إلى تثبيت أقدامهم في صراط التوحيد، والربط على قلوبهم، وصاروا ذوي عزم ويقين في طريق الله تعالى.
﴿وَإِذًا لاَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾.٢
فيُقال للذي أعطاه الله تعالى العلم: لقد وهبه علمًا لدنيًّا؛ أي علمًا من لدنه تعالى؛ وهنا أيضًا، يكون الأجر الذي يأتينا من لدن الله تعالى مختلفًا عن الأجور الأخرى.
﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛٣
لا يُتصوّر فيه وجود أيّ اعوجاج أو انحراف أو إفراط أو تفريط؛ فيتحرّك وجودهم من ناحية الحياة الشخصيّة والاجتماعيّة والفرديّة والدنيويّة والأخرويّة، ومن جهة المعاش والمعاد، ومن جميع الجهات في اتّجاه الهدف المنشود وطريق الكمال على أساس معيار الحقّ والعدل وصراطهما؛ وهذا هو معنى الصراط المستقيم.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾.٤
وكم هو جيّد أن يعثر الإنسان على رفقاء، ويكون جلساؤه وأخلاّؤه من الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين!
﴿ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾؛٥ فهذا فضل يهبه الله تعالى للذين فازوا في ظلّ طاعته بمجالسة الأنبياء والأولياء ومرافقتهم.
وهذه هي ثمرة الولاية؛ أي: نتيجة الطاعة.
مدرسة التشيّع هي مدرسة للتربية
ولهذا، فإنّ الأساس في مدرسة التربية هي العقيدة الشيعيّة المتكّئة على الولاية، حيث يُؤمن الشيعة بأنّه على جميع الناس الخضوع لتربية الإمام، والانصياع لأوامره، واجتناب نواهيه؛ فهذا هو الذي يوصل الإنسان إلى السعادة؛ وأمّا إذا قال هذا الإنسان: «أنا أعترف بوجود الله تعالى»، غير أنّه لم يرضخ لطاعة الإمام، فلن توجد في ذلك أيّة فائدة؛ لأنّ الإله المصطنع والخياليّ لن يُربّيه؛ وحتّى لو قال الإنسان: «أنا أؤمن بالله، وبرسوله أيضًا، وبالقرآن الذي جاء به هذا الرسول، لكنّني لن أنصاع للإمام، بل سآخذ بنفسي سنّة النبيّ، وأطالع الآيات القرآنيّة من تلقاء ذاتي، وأعمل بها»، فإنّه سيكون ضالاً، وعديم الفهم! وذلك لأنّه من الضروريّ وجود نبيّ [أو إمام] يُعلّم القرآن للإنسان، ويشرح له آياته، ويُميّز له الخاصّ من العامّ، والناطق من المنطوق، والمجمل من المبيّن؛ فالقرآن كلّيات، ولا يستطيع كلّ واحد أن يتعاطى بنفسه تفسيرَه بنحوٍ ما.
- سورة النساء، الآية ٦٦.
- سورة النساء، الآية ٦۷.
- سورة النساء، الآية ٦۸.
- سورة النساء، الآية ٦٩.
- سورة النساء، الآية ۷۰.
