
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
ودور أولي الأمر في التربية
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى بدايةً إلى بيان معنى الولاية وحقيقتها، ثمّ تحدّث عن علاقة أولي الأمر بالتوحيد والمعارف الإلهيّة، ليستنتج من ذلك أنّ مدرسة التشيّع هي مدرسة التربية؛ وفي الأخير، تطرّق لقصّة زيارة الحارث الهمدانيّ لأمير المؤمنين عليه السلام، مستعرضًا في ضمنها مجموعة من المسائل والنكات القيّمة.
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
3وتُشير الآيات القرآنيّة إلى أنّ كلّ نبيّ أتى من عند الله تعالى دعا الناس إلى التوحيد وطاعته: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.۱
ففي سورة الشعراء، تكرّرت هذه العبارة عدّة مرّات، حيث دعا نبيّ الله نوح، ونبيّ الله لوط، ونبيّ الله صالح، ونبيّ الله شعيب أممهم بقولهم: أطيعوا الله وأطيعوني!
فعبادة الله تعالى لوحدها ومن دون طاعة الرسول ليست دينًا ولا مذهبًا؛ وما دامت عبادة الله لم تقرن بعدُ بطاعة النبيّ، فلن تكون هناك ولاية، بل سيكون هذا الإله خياليًّا ووهميًّا؛ والإله والوهميّ لا تحقّق له في الخارج. فالإله الذي تكون طاعته وعبادته مثمرةً هو الإله الذي يعرضه النبيّ، ويضع عددًا من التعاليم للوصول إلى معارفه، ويُحدّد دائرة أفعال الإنسان في مجموعة من الأفعال الخاصّة التي تحجزه عن الخيانة والغواية والتعدّي على الحقوق وظلم النفس، وتضعه في مقام العدل والحقّ، وتُحقّق كافّة مراتب العبوديّة في وجوده.
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.٢
فما لم تتحقّق طاعة أولي الأمر، لن تتحقّق طاعة الله ورسوله؛ ولهذا، نلاحظ أنّ جميع خلفاء الجور الذين كانوا يأتون، ولكي يدعوا الناس إلى أنفسهم، ويبقوا جالسين على أريكة حكمهم الجائر، فإنّهم كانوا يعدّون أنفسهم أولي الأمر، ويقولون: «أطيعوا الله، وأطيعوا رسوله أيضًا؛ لكن، عليكم أن تُصغوا إلى كلامنا»، غير أنّ ذلك مخالف لمنطق القرآن!٣
علاقة أولي الأمر بالتوحيد وبلوغ المعارف الإلهيّة
فمنطق القرآن يقول:أولو الأمر هم الذين تكون دعوتهم هي دعوة الله تعالى ورسوله بعينها، وتكون هذه الدعوة واقعة في طريق التوحيد لأجل الوصول إلى المعارف الإلهيّة؛ فكلّ من لم يصل إلى درجة العصمة، ولم يكن بلوغه مقام الخلافة والوصاية عن طريق رسول الله، لن يُعدّ من أولي الأمر مادام لا يملك السيطرة على الأمور المعنويّة والتكوينيّة والتشريعيّة للناس.٤
﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.٥
أي: يا أيّها النبيّ، إنّ هؤلاء الناس وهذه الأمّة وهؤلاء الأفراد الذين آمنوا بك، لم يُؤمنوا ولن يُؤمنوا حتّى يُحكّموك في النزاعات والشجارات التي تقع بينهم، وتكون أنت ملجأهم وملاذهم، وتكون إرادتك هي الحاكمة على أصل وجودهم، ويلوذون إليك مباشرة من أجل إنهاء خلافاتهم وحلّ مشاكلهم؛ وبعدما تحكم بينهم، لا يرون في أنفسهم أيّ تعب أو انزعاج أو حرج من حكمك، بحيث يكون الذي حكمت عليه كالذي حكمت له؛ وأمّا إذا حكمت على أحدهم، فأحسّ في نفسه بانزعاج أو تعب أو ضجر، فلن يكون مؤمنًا. ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ فعليه أن يصل إلى الحدّ الأعلى من التسليم؛ ففي ذلك الحين فقط، سيصير مؤمنًا.
- سورة الشعراء، الآيات: ۱۰۸، ۱۱۰، ۱٢٦، ۱٣۱، ۱٤٤، ۱٥۰، ۱٦٣، ۱۷٩.
- سورة النساء، الآية ٥٩.
- لمزيد من الاطّلاع على اختصاص لقب «أولي الأمر» بالسادة المعصومين عليهم السلام، وكذلك على أنّ خلفاء الجور كانوا ينسبون هذا اللقب إلى أنفسهم بغير حقّ، راجع: معرفة الإمام، ج ٢، ص ۱٤۷؛ ج ٩، ص ۱۱٦؛ ج ۱۸، ص ۱۷۸؛ أنوار الملكوت، ج ٢، ص ٥۱؛ حيات جاويد (فارسي)، ص ۱٢٥.
- لمزيد من الاطّلاع على تفسير وشرح الآية الشريفة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، راجع: معرفة الإمام، ج ٢.
- سورة النساء، الآية ٦٥.
