
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
ودور أولي الأمر في التربية
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى بدايةً إلى بيان معنى الولاية وحقيقتها، ثمّ تحدّث عن علاقة أولي الأمر بالتوحيد والمعارف الإلهيّة، ليستنتج من ذلك أنّ مدرسة التشيّع هي مدرسة التربية؛ وفي الأخير، تطرّق لقصّة زيارة الحارث الهمدانيّ لأمير المؤمنين عليه السلام، مستعرضًا في ضمنها مجموعة من المسائل والنكات القيّمة.
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
2أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ
بارئِ الخلائقِ أجمعين، باعثِ الأنبياءِ والمُرسَلين
والصّلاةُ والسّلامُ على سيّدِنا ونبيّنا ومَولانا أصلِ الجودِ وعينِ الشّاهدِ والمَشهودِ؛
أبي الأکوان بفاعليّته وأُمِّ الإمکان بقابليَّتِه
حَبيبِنا وحَبيبِ إله العالمين أبي القاسم محمّد
وعلى أخيه ووصيّه ووزيره وخليفته في أُمّته
ووليِّ کُلَّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ من بعدِه، عليِّ بن أبي طالب أميرِ المؤمنين
وعلى الأحدَ عشرَ من وُلدِه، الأئمةِ الهُداةِ المعصومين
لا سیّما بقيَّةِ اللهِ في الأرَضين
ولعنةُ الله علی أعدائهم أجمعین
معنى الولاية وحقيقتها
قال الله الحکيم في کتابه الکريم:
﴿أَلآَ إِنَّ أَوۡلياءَ ٱللَهِ لاَ خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلاَ هُمۡ يَحۡزَنُونَ ، ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ، لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَى فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡآخِرَةِ لاَ تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾.۱
الولاية عبارة عن التوحيد العمليّ؛ أي: الاعتقاد بالله تعالى، وبكونه هو المربّي في مقام الإكمال، وطاعته والتسليم لأوامره؛ وهذا يعني: إخراجُ الله تعالى من عالم المفاهيم، ومشاهدةُ أنواره وصفاته وأسمائه في عالم الخارج، وإحلالها في النفوس؛ فكلّ كمال يحصل عليه الإنسان إنّما يتحقّ بواسطة هذه المسألة؛ أي بواسطة الإقرار بتوحيد الله والتسليم لأوامره؛ وإلاّ، فإنّ مجرّد الاعتقاد بوجود الإله المفهوميّ الذي لا علاقة له بعالم الخارج، فهو أمر كان يُذعن به كافّة المشركين العرب.
﴿(يا أيّها النبيّ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ (أي المشركين) مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ (بأجمعهم) اللَّهُ﴾؛٢ إذ لا يوجد أيّ شكّ في هذا الإله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.٣
كلاّ! فلا يوجد أيّ شكّ في هذا الإله، والجميع متّفق على وجوده؛ وأمّا كلامنا، فيتعلّق بالإله الذي يكون كلٌّ من علمه وقدرته وحكمه نافذ، ويكون عالمـًا بالأسرار والخفايا، ومطّلعًا على أعمال الإنسان، ولم يخلق الإنسان في عالم الكون عبثًا، بل جعله مسؤولاً ومحاسبًا؛ فالإله الذي ينصبّ عليه الكلام هو الإله الذي كان المترفون والملأ ـ أي مستكبرو المجتمع ـ يُبعدون الناس عنه، فيدفعونهم إلى عبادة الأصنام، ليتمكّنوا بذلك من تحقيق مآربهم الشخصيّة.
فالولاية تعني: مشاهدة الإله الذي أوجد السماوات والأرض في مظاهر أسمائه وصفاته، بل حتّى في أصغر أسمائه الجزئيّة، والاعتقاد به، بحيث يرى الإنسان نفسه تحت قيمومة هذا الإله؛ فإذا تمكّن أحد من الوصول إلى هذا المستوى من الولاية، فقد تحقّق بالتوحيد العمليّ، وإلاّ، فلا؛ هذا، مع أنّ التوحيد اللفظيّ والمفهوميّ لا يُسمن ولا يُغني من جوع؛ فالتوحيد العمليّ هو الذي يُعين الإنسان ويأخذ بيده!
- سورة يونس، الآيات ٦٢ ـ ٦٤.
- سورة لقمان، الآية ٢٥.
- سورة إبراهيم، الآية ۱۰.
