
حاجة طريق الله إلى المراقبة والصبر والشكر
خطبة عيد الأضحى لعام 1421 هـ
ألا يكفي دين العجائز لبلوغ المقامات الرفيعة أم لا بدّ من البحث في المعارف الإلهيّة؟ ماذا يحتاج الوصول إلى الله؟ وما هي حقيقة الصبر والشكر اللذين كانا لدى النبيَّين موسى وإبراهيم على نبيّنا وآله وعليهما السلام وماذا كانت نتيجتهما؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه المحاور في تفسير الآية الشريفة﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآیاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأیات لِّكُلِّ صَبَّار شَكُور﴾ مبيّنة المراد من الظلمات والنور ومن أيّام الله فيها وأصناف الناس في نظرتهم إلى الدنيا إضافة إلى مكانة يوم عيد الأضحى المبارك والأيّام التي سبقته وآثارها في تحقيق ذلك.
حاجة طريق الله إلى المراقبة والصبر والشكر
16وصيّة أمير المؤمنين لمالك حول العلاقة مع الله
يخاطب أمير المؤمنين مالكًا في عهده المعروف له:
وَ اجعَل لِنَفسِك فیما بَینَك و بَینَ اللهِ [تعالی] أفضَلَ تلك المَواقیت و أجزَلَ تلك الأقسام، وَ إن كانَت كلُّها لِلَّهِ إذا صَلُحَت فِیها النِّیَّةُ و سَلُمَت مِنها الرّعیّة.۱
أي اجعل لنفسك القسم الأوفر وإن كانت جميع هذه الأعمال لأجل الله.
الأمر دقيق جدًّا، يقول الإمام: أعلم أنّ نيّتك خالصة، وأعلم أنّك مضيت من قبلي لمعالجة أمور هؤلاء الناس وأنت تقوم بتكليفك في ذلك، ولكنّ التكاليف مختلفة، ولكلّ تكليف مكانه الخاصّ، فطعام الفطور لا يغني عن طعام الغداء، والماء الذي شربته صباحًا لا يغنيك عن الماء الذي تظمأ إليه بعد الظهر. والتنفّس الذي تتنفّسه هذه اللحظة لا يغنيك عن التنفّس اللاحق، والصلاة التي تصلّيها الصبح لا تغنيك عن صلاة الظهر والمغرب والعشاء، فلكلّ مقامه، ولكلّ أثره الخاصّ، أي لو أراد مالك أن يقضي جميع أوقاته بالعزلة ويجعل جميع الأوقات أفضل الأوقات ولا يلتفت إلى شأن الناس فإنّه سيبقى ناقص الوجود ولا يصل إلى الكمال، وإذا أراد أن يقضي أوقاته كلّها بمعالجة أمور الناس ولا يلتفت إلى أفضل أوقاته وإلى الاهتمام بنفسه والخلوة بالله في زاوية العزلة وبعيدًا عن الناس فإنّه لن يصل إلى الكمال أيضًا.
يقول أمير المؤمنين: شؤون الناس وخدمتهم لها مكانها، ولكن الاهتمام بنفسك أيضًا له مكانه.
وَ اجعَل لِنَفسِك فیما بَینَك و بَینَ اللهِ [تعالی] أفضَلَ تلك المواقیت و أجزَلَ تلك الأقسامِ
الإمام لا يقول ساعة في الليل والنهار، بل يقول أفضل ساعة في الليل والنهار اجعلها لنفسك، وَإن كانَت كلُّها لِلَّهِ إذا صَلُحَت فِیها النّیةُ رغم أنّها كلّها لله والله يعطيك عليها كلّها الأجر وتسبّب تكاملك وسعتك الوجوديّة، ولكن لكلّ شيء مكانه الخاصّ.
وقد روى أهل السنّة عن النبيّ الأكرم أنّه قال:
لَولا تَكثیرٌ فی كلامِكم و تَمریجٌ فی قُلوبِكم لَرَأیتُم ما أرَی و لَسَمِعتُم ما أسمَع؛٢
فلولا وجود هذا الذهن الحيران عندكم وكثرة الكلام في اللسان لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع.
- نهج البلاغة (صبحی صالح)، ص ٤٤٠.
- مسند احمد بن حنبل، ج ٥، ص ٢٦٦، (باختلاف)؛ كنز العمّال، ج ۱٥، ص ٦٤٣، (باختلاف)؛ رساله لبّ اللباب، ص ٣٩. أنوار الملكوت، ج ١، ص ٧٧؛ المیزان، ج ٥، ص ٢٧٠.
