
الرجوع إلى الله وآثاره
خطبة عيد الفطر لعام 1425هـ
ما هي أنواع الناس بالنسبة إلى العمل الصالح؟ وكيف يتعامل الله مع كلّ نوع منهم؟ وما هو المعيار في قبول الأعمال؟ وما هو أثر ولاية أهل البيت وشفاعتهم في ذلك؟ يتناول سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني هذه المحاور في تفسيره لآية وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، مستشهدًا برواية تفترق أمّتي بعدي ثلاث فرق، ورواية من أقبل على الله بكلّه.
الرجوع إلى الله وآثاره
5لدينا في روايات عديدة ۱ وفي كلمات الأعاظم أنّ المرأ يطير بهمّته٢ والهمّة تعني النيّة، النيّة الصالحة والإرادة والجزم على أمر. فمن كان يعتقد بأمر ولكنّه لا يعمل به في مقام العمل ويضعف ويتكاسل فإنّه لا نيّة لديه، فمن يشخّص مرضًا ويدرك خطره وأذاه لا يجلس مكتوف اليدين، من كان لديه اهتمام بأمر ما لا يضع يدًا على أخرى، إذا شعرنا في وجداننا وضميرنا أنّ لدينا اعتقادًا بأمر ما وشهد على صحّته فكرنا وعقلنا وضميرنا ولكن لم نلتزم كما ينبغي بآثاره ولوازمه فعلينا أن نشكّ في نيّتنا وصحّتها. فبمقدار ما نسير نتقدّم لا أكثر ولا أقلّ.
قصّة معروف الكرخي مع موعظة ابن السمّاك
كان معروف الكرخي من أعاظم العرفاء وكان مسيحيًّا في طفولته، وكان والداه مسيحيّين وأسلم وهو طفل على يد علي بن موسى الرضا عليهما السلام وصار من أصحابه. وذات يوم كان يسير في السوق فرأى ابن السمّاك الواعظ المعروف يعظ الناس ويقول:
لو أنّ أحدًا تقدّم إلى الله خطوة تقدّم الله إليه خطوة، ولو أنّ إنسانًا جعل وجوده لله جعل الله له وجوده، ولو جعل إنسان نصف وجوده لله جعل الله له أيضًا نصف وجوده ورزقه نصف السعادة والفلاح، ولو أنّ إنسانًا التفت إلى الله بكلّ وجوده التفت الله إليه بكامل وجوده.
فجاء إلى الإمام علي بن موسى الرضا وقال: لقد سمعت اليوم من ابن السمّاك في السوق كذا وكذا، فقال الإمام إنّها نعم الموعظة. ثمّ صدّقها الإمام وقال: من أقبل على الله بكلّه أقبل الله عليه بكلّه٣. أي إنّه لا يوفّر عنه شيئًا، فجميع شراشر وجوده وجميع أعماله وأفعاله يتعهّدها الله. ولو أنّ إنسانًا قصّر قليلاً وراعى مصلحته وراعى في بعض الموارد بعض الأمور وبعض الخصوصيّات التي هو متعلّق بها فإنّ الله ينقص منه بذلك المقدار. فمن هو الخاسر إذن؟!
ما دامت هناك مائدة من هذا النوع مبسوطة فلماذا لا يستفيد منها الإنسان؟! أليس من الخسارة أن لا يستفيد الإنسان من هذه المائدة المبسوطة ويبيع دنياه وآخرته بثمن بخس؟! لم يكن الأعاظم هكذا، لم يكن الأعاظم يمزجون الحقّ بالباطل، لم يكونوا يأخذون بمقدار من الحقّ وبمقدار من الباطل ويعملون على أساسه، بل كان الحقّ دائمًا أمام أعينهم، وكانوا يبيّنون الحقّ ولم يكونوا يلاحظون في ذلك شيئًا ولو أدّى إلى ضررهم وضرر منافعهم وعلاقاتهم.
- راجع غرر الحكم: ص ١١٠، ٤٩٩، ٥٨٣، ٥٩٢، ٦٠٩، ٦١٤، ٧٨٣.
- الروح المجرّد، ص ٢٩۸.
- وفیات الأعیان، ج ٥، ص ٢٣١ و ٢٣٢: كنت ماراً بالكوفة فوقفت على رجل يقال له ابن السماك وهو يعظ الناس، فقال في خلال كلامه: من أعرض عن الله بكليته أعرض عنه الله جملة، ومن أقبل على الله تعالى بقلبه أقبل الله تعالى برحمته عليه، وأقبل بوجوه الخلق إليه، ومن كان مرة ومرة فالله تعالى يرحمه وقتاً ما، فوقع كلامه في قلبي وأقبلت على الله تعالى وتركت جميع ما كنت عليه إلا خدمة مولاي علي بن موسى الرضا، وذكرت هذا الكلام لمولاي فقال: يكفيك هذا موعظة إن اتعظت.
