
الرجوع إلى الله وآثاره
خطبة عيد الفطر لعام 1425هـ
ما هي أنواع الناس بالنسبة إلى العمل الصالح؟ وكيف يتعامل الله مع كلّ نوع منهم؟ وما هو المعيار في قبول الأعمال؟ وما هو أثر ولاية أهل البيت وشفاعتهم في ذلك؟ يتناول سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني هذه المحاور في تفسيره لآية وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، مستشهدًا برواية تفترق أمّتي بعدي ثلاث فرق، ورواية من أقبل على الله بكلّه.
الرجوع إلى الله وآثاره
4أعوذ بالله من الشّیطان الرّجیم
بسم الله الرّحمٰن الرّحیم
﴿وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ إِنَّ ٱللَهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾.۱
شمول عفو الله ومغفرته للمعترفين بالذنوب
يقول الله في هذه الآية التي تبيّن حالنا وتشرح أوضاعنا وسلوكنا: هناك فئة أخرى من المؤمنين، المسلمين، المحبّين والملتزمين خلطوا عملاً صالحًا بالعمل غير الصالح ومزجوهما معًا.
فهؤلاء لا عملهم صالح مائة في المائة، ولا هو غير صالح مائة في المائة، فأحيانًا يصدر عنهم في أعمالهم وسلوكهم خطأ وباطل جهلاً، ولكن لديهم إيمان ومحبّة واعتقاد ونيّة صالحة. ولكن حيث إنّ الإنسان جائز الخطأ فإنّه يرتكب أحيانًا الخطأ والاشتباه لغلبة الأحاسيس والتسامح والتساهل وضعف النفس، هؤلاء معترفون بقصورهم وتقصيرهم: ﴿ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ﴾ فهم ليسوا في مقام الإنكار والمواجهة والجحود والعناد والأغراض الشخصيّة، بل يصدر عنهم ذنب وزلّة جهلاً وخطأ، وقد بشّر الله هذه الجماعة: ﴿خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ﴾؛ فهناك أمل أن يعفو الله عنهم ويشملهم بعفوه ومغفرته.
وطبعًا عندما يُقرأ هذا الكلام وتقال هذه المسألة فإنّنا جميعًا نرى أنفسنا مصداقًا لهذه الآية الشريفة، لأنّه ليس لأحد أن يدّعي أنّ جميع أعماله صالحة صحيحة ولتحصيل رضا الله ومطابقة للواقع بدقّة. نعم، الذين هم كذلك هم الذين صارت نفوسهم وذواتهم ونواياهم إلهيّة بنسبة مائة في المائة وصار كلامهم كلام الله ونيّتهم نيّة الله وفعلهم فعل الله. ولكن ما لم يصل الإنسان إلى هذه المرتبة فإنّه مبتلى بالخطأ والزلل بطبعه في نيّته وكلامه وفعله، تغلب عليه الإحساسات، ويستعجل في الحكم على الأمور، ولا يقيس الأمور بشكل جيّد، فتؤثّر في كيفيّة إرادته وكيفيّة فكره الأحداث المختلفة. فهذه أمور كلّنا مبتلون بها.
إنّما الأعمال بالنيّات
العمل الذي يقوم به الإنسان يستند إلى النيّة، مهما كانت تلك النيّة، فعمل الإنسان ليس منفصلاً عنها، فإن كانت إلهيّة فإنّ عمل الإنسان سيعتمد عليها شاء أم أبى، أمّا لو لم يصفّ الإنسان تلك النيّة كما ينبغي ولم ينظّم إرادته على أساس النيّة الخالصة... وقد جعل هذا الأمر تحت تصرّفنا جميعًا، وكلّ إنسان يرجع إلى وجدانه وضميره فإنّه يدرك بسهولة ما إن كان قد أخلص نيّته لله مائة بالمائة وجعل جميع أعماله وأفعاله مطابقة لها، أم أنّه جعل لإرادته الخاصّة ومصالحه الشخصيّة والأسريّة الخاصّة مكانًا خاصًّا، هنا علينا أن نفكّر قليلاً ونتأمّل ونختبر أنفسنا بواسطة هذه الآية الشريفة ونرى إلى أيّ حدّ كنّا صادقين في نوايانا ولم يكن للأمور الخارجيّة والأحداث والجوانب والظروف تأثير فيها، ولو أنّ هذا الأمر وقع لغيرنا كيف كنّا نحكم عليه؟ فالأمر مهمّ جدًّا فلو أنّ هذا وقع لغيرنا كيف كنّا نتكلّم به بين الناس؟ هنا يأتي الله ويختبر الإنسان ويوضّح له الصحّة والسقم فيها.
- سورة التوبة (٩) الآیة ١٠٢.
