
الولاية أمر تعبّدي أم تكوينيّ؟
محاضرة عيد الغدير لعام 1422 هـ
ما هي فلسفة العيد في الإسلام؟ ولماذا كان يوم المبعث وأيّام ولادات المعصومين ويوم الفطر والأضحى أعيادًا؟ وهل يستحقّ النيروز أن يكون عيدًا؟ ولماذا كان عيد الغدير أفضل أعياد الأمّة؟ وماذا جرى فيه حتّى صار سببًا في أفضليّته على سائر الأيّام؟! وما هي وظيفة الشيعة أمام العادات والتقاليد المرفوضة؟ وكيف واجه رسول الله الصعاب في مخالفتها؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه التساؤلات من خلال بيان كون الولاية أمرًا منطقيًّا مطابقًا للواقع الخارجيّ ومواصفات الوليّ النائب عن رسول الله وليست مجرّد أمر تعبّديّ ليقوم به الفاقد لتلك الصفات، موضّحة دور الوليّ في إعطاء العبادات روحها وإيصالها إلى لقاء الله.
الولاية أمر تعبّدي أم تكوينيّ؟
16يقول أبو حمزة الثمالي:
لَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيهَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ لَقِيَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَقْبَلَ النَّاسُ يَنْثَالُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَنْ هَذَا عَلَيْهِ سِيمَاءُ زُهْرَةِ الْعِلْمِ؟! لَأُجَرِّبَنَّهُ. فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَ أُسْقِطَ فِي يَدِ أَبِي جَعْفَرٍ وَ قَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ جَلَسْتُ مَجَالِسَ كَثِيرَةً بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ غَيْرِهِ فَمَا أَدْرَكَنِي مَا أَدْرَكَنِي آنِفاً؟!
فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: وَيْلَكَ يَا عُبَيْدَ أَهْلِ الشَّامِ إِنَّكَ بَيْنَ يَدَيِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ.۱
عكرمة من علماء العامّة الكبار وكان رجلاً منطيقًا ذا لسان ومن أهل البحث، فجاء ليمتحن الإمام ويجرّبه ويرى أيّ إنسان هو حتّى انثال الناس عليه، جاء بهذه النيّة إلى من؟ إنّه يتقدّم بين يدي الإمام! أتظنّ أنّه يتقدّم بين يدي واحد من الناس؟! كلاّ إنّه بين يدي الإمام، وما إن وصل إلى الإمام حتّى بدأ يرتجف وسقط على الأرض، أصلاً لم يسأل، فالإمام ليس بحاجة إلى سؤال، فلمّا أفاق قال يا ابن رسول الله لقد قصدتُ الكثير من العلماء وأينما ذهبت كنتُ الغالب، ولكن لا أدري لماذا جرى لي ما جرى هنا! فقال له الإمام الباقر: أتظنّ أنّ هذا المكان كسائر الأماكن؟ إنّك بين يدي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أتدري إلى أين أتيت؟! لقد أتيت إلى مكان يريد الله أن يرفعه.
فإذن المسألة ليست مسألة تعبّد، بل إرادة الله ومشيئته تعلّقت بأن يرفع هذا المكان بين جميع الناس.
قصّة لقاء جابر بن عبد الله مع الإمام الباقر عليه السلام
لذلك عندما جاء جابر بن عبد الله الأنصاري إلى الإمام الباقر عليه السلام وبلّغه سلام رسول الله قال له الإمام: إِنَّكَ رَاحِلٌ إِلَى رَبِّكَ. فَبَكَى جَابِرٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي وَ مَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ فَهَذَا عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ؟! (ويقصد جابر بذلك أنّك من أين عرفت هذا؟ عجيب فانظروا فإنّ جابرًا هنا لم يسر كما ينبغي).
فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا جَابِرُ لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ عِلْمَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
- مناقب آل أبي طالب علیهم السلام، ج ٤، ص ١.
