
الولاية أمر تعبّدي أم تكوينيّ؟
محاضرة عيد الغدير لعام 1422 هـ
ما هي فلسفة العيد في الإسلام؟ ولماذا كان يوم المبعث وأيّام ولادات المعصومين ويوم الفطر والأضحى أعيادًا؟ وهل يستحقّ النيروز أن يكون عيدًا؟ ولماذا كان عيد الغدير أفضل أعياد الأمّة؟ وماذا جرى فيه حتّى صار سببًا في أفضليّته على سائر الأيّام؟! وما هي وظيفة الشيعة أمام العادات والتقاليد المرفوضة؟ وكيف واجه رسول الله الصعاب في مخالفتها؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه التساؤلات من خلال بيان كون الولاية أمرًا منطقيًّا مطابقًا للواقع الخارجيّ ومواصفات الوليّ النائب عن رسول الله وليست مجرّد أمر تعبّديّ ليقوم به الفاقد لتلك الصفات، موضّحة دور الوليّ في إعطاء العبادات روحها وإيصالها إلى لقاء الله.
الولاية أمر تعبّدي أم تكوينيّ؟
12من يمكنه أن يقوم بذلك غير النبيّ؟ ففي بعض الموارد يكون الأمر مهمًّا إلى درجة بحيث إنّه لو قام به غير الشخصيّة الأولى ـ والتي هي النبيّ هنا ـ لما قبل الناس منه. لذلك كان لا بدّ أن تقع القرعة باسم رسول الله لكي يمحو هذه السنّة السيّئة وغير المناسبة والجاهلة ويرفعها من بين الناس.
تقول الآية اللاحقة:
﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَهَ وَكَفَىٰ بِٱللَهِ حَسِيبٗا﴾۱
فمن هو غير الله أصلاً؟! هنا على النبيّ أن يخاف الله، لا الناس! فهذان اليومان سينقضيان. وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَهَ تعني أنّه يجب أن يخاف من الله فقط، ويجب أن نقلق من جانبه ويجب أن لا نقلق من جانب أيّ أحد غيره.
هذه الحريّة كانت حريّة سيّد الشهداء، إنّه يقول فقط وفقط: الله. فلمن الحريّة إذن؟ إنّها لسيّد الشهداء، يقول في مقابل يزيد واليزيديّين: لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفِرّ فِرار العبید.٢
لا أضع يدي في أيديكم كالأذلاء مسلّمًا لكم، ولا أفرّ كالعبيد. فللعبيد حالتان: عبد آبق وفارّ وعبد مطيع. عندما يشتري المولى عبدًا فإن كان راضيًا عن وضعه في حياته مع مولاه فإنّه يعمل في تلك الدار والمولى يكرمه ويجعل له حياة تناسب حاله ويرضاها. فهذا معنى لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد.
يقول سيّد الشهداء: أنتم تقولون بايع يزيد؟ أنا لا أبايع! أنتم تقولون اذهب إلى مكان آخر؟ لا أذهب! أنتم تقولون إنّكم ستقاتلونني وتقتلونني فاقتلوني. وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَهَ
هذه هي الحريّة. هذه هي مدرسة سيّد الشهداء. فسيّد الشهداء يقول لهم: هل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟٣
هذه المدرسة هي مدرسة الإمام الحسين، المدرسة التي لا يرى فيها الإنسان نفسه مسؤولاً إلا أمام الله لا غير. مسؤولاً أمام الله فقط، مسؤولاً أمام إمام الزمان فقط لا غير، يرى نفسه مسؤولًا أمام الله وإمام الزمان عليه السلام ويجب أن يجيبهما وحدهما لا غيرهما! ولو أنّ إنسانًا جعل الله أمامه بدلاً من أمور الدنيا وزيد وعمر وبكر وخالد، فإنّه يفكّر بحريّة ويسير بينه وبين الله بحريّة. حينها كم يتغيّر حال الإنسان، وكم يتغيّر اعتقاد الإنسان وهدفه وممشاه!
- سورة الأحزاب (٣٣) الآیة ٣٩.
- الإرشاد، ج ٢، ص٩.
- رجوع شود به إحقاق الحق، ج ١١، ص ٦٠١؛ وقعة الطف، ص ١٧٢؛ تحف العقول، ص ٢.
