
البصيرة ميزة دعوة النبيّ وأتباعه
خطبة عيد الفطر لعام 1421 هـ
ما معنى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبعني؟ وما معنى البصيرة؟ وهل الدعوة إلى الله خاصّة بأهل الحقّ أم أنّ الجميع يدعون إلى الله؟ لماذا لا يخدع أولياء الله ولا ينحرفون عن مسيرهم ويعرفون الداعي إلى الله من غيره؟ وما معنى قصم ظهري اثنان جاهل متنسّك وعالم متهتّك؟ ما هو حبل الله في قوله واعتصموا بحبل الله؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة من خلال تفسيره لعدد من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.
البصيرة ميزة دعوة النبيّ وأتباعه
14﴿لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗا لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾.۱
المسجد الذي قام أساسه على التقوى، لا على إيجاد الانقسام والنفاق، المسجد الذي أساسه الدعوة إلى الله والخلوص والاجتماع، لا على أساس التحزّب والتعصّب والحزبيّة، ففي هذا المسجد فلتقم، وفي هذا المكان فلتحضر، ومع هؤلاء الناس فلتقم ولتقعد، لا الذين يدعون إلى التفرقة والانفصال ولا الذين إذا وصلوا إلى الإنسان يجعلون أنفسهم تحت اختياره وتحت أوامره بلسان عذب وكلام فصيح وبليغ، فإذا خرجوا من عنده بدأوا بتشويش الأذهان وتخريب القلوب وتخريب النفوس. يا رسول الله، ابتعد بطريقك عن هؤلاء!
تلك الحسينيّة التي فيها ذكر الإمام الحسين ولأجل تشويش القلوب والتفرقة ليست حسينيّة! ومجلس الإحياء الذي هو لأجل التفرقة هو دعوة إلى الشيطان، وتلك المجالس التي يرتفع منها نداء التفريق هي مجالس كفر ومجالس ضلال ومجالس شيطان، وينبغي أن يكون الطريق مستقلاًّ عنهم.
﴿لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ اذهب إلى مسجد يرتفع منه نداء التوحيد، لا نداء الاثنينيّة والانفصال والتفرقة، شارك في ذلك المسجد، واذهب إلى مجلس فيه نداء التوحيد ويرفع النقائص بدلاً من أن يوجد النقص والخلل. ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾؛ يا رسول الله عليك أن تشارك في هذه المجالس ويجب أن يكون تواصلك مع هؤلاء الناس.
﴿فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾؛ في هذه المجالس أفراد يريدون أن يتطهّروا ويخرجوا من عالم النفس، لا أن يغوصوا فيها أكثر فأكثر ويعيشوا الأهواء أكثر فأكثر. مجالس يدعى فيها إلى الواقع يدعى فيها إلى الحقّ، يدعى فيها إلى التوحيد، يدعى فيها إلى الخروج من النفس، لا أن تكون مجالس تحقّق فيها تلك الأهداف تحت غطاء زيارة سيّد الشهداء وإحياء الذكر والعلم ومجالس أخرى وعناوين خادعة ومحبّبة ومرغوبة، فهذه مجالس يجب أن لا تقصد، بل يجب أن يقصد مكان ﴿فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ ويتخلّصوا من ظلمات النفس ومن الكدورات، يريدون أن ينحّوا الاثنينيّة جانبًا وأن يحقّقوا في أنفسهم تلك الوحدة النوعيّة الإنسانيّة. هؤلاء قوم [في مكان] ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾، يا رسول الله هؤلاء يليقون أن تكون معهم ﴿وَٱللَهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾ الذين يطلبون الطهارة ويبحثون عن الطهارة و النزاهة، لا يبحثون عن الأنانيّة والتفرعن والدعوة إلى النفس وصرف الناس عن ذلك الاجتماع وتلك الوحدة. لها ظاهر جميل جدًّا، الظاهر ظاهر إلهيّ، الدعوة إلى الله، الدعوة إلى النبيّ، الدعوة إلى الرسالة، الدعوة إلى القواعد والأصول، الدعوة إلى المعتقدات، ولكن علينا أن ننظر ماذا في باطنه؟ ما هو الهدف الكامن وراء هذا النقاب؟
- سورة التوبة (٩) الآیة ١٠٨.
