
الصدق وعدم الازدواجيّة
بيَّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) هنا طبيعة هذه السلسلة مِنَ المحاضرات، ووضّح موضوعها وغايتها وامتيازها. كما أسّس لما ستُبنى عليه المحاضرات اللاحقة.. موضوعنا هو السلوك إلى الله تعالى، وهذا الطريق لا بدّ له مِن أُسُسٍ وقواعدٍ ومبانٍ تقوّمه وتميّزه، فقال: إنّ الصدق وعدم الازدواجيّة والخلوص وعدم المزج بين الأمور النفسيّة والتكاليف، هو أساس السلوك الصحيح، وما يجب أن تدور حياتنا مداره في جميع شؤونها، وبهذا سلامة الدنيا والآخرة، فليس وراء الصدق ضرر دنيويّ وأخرويّ. هذا هو نهج الأولياء وسبب الثقة بهم. وفصلّ سماحته الكلام حول ذلك بالتنظير أحيانًا وبالقصص المصداقيّة أحيانًا أخرى.
الصدق وعدم الازدواجيّة
9كما اعترض المرحوم العلّامة في ذلك المجلس على شخص آخر فقال: كما أنّ فلانًا قد تصرّف نفس هذا التصرّف، حيث كان يستخدم الطلّاب للعمل في بيته أيضًا. ثمّ قال: ولكن شدّة المؤاخذة على فلان [وهو الثاني] ليست بمقدار فلان الّذي هو أنا.
ولقد كانت المؤاخذة واردة [على كلّ حال]، ولا بدّ مِن قبولها، وليس في الأمر شيء، فسكتُّ ولم أتفوّه بشيء على الرغم مِن وجود ما يستوجب أن أتكلّم به معه، ومع كلّ هذا سكتُّ ولم أتكلّم بشيء، أمّا الشخص الآخر فقد امتعض كثيرًا وقال عند خروجنا: لقد فضحنا الوالد في هذا المجلس. فتبسّمتُ في وجهه وقلتُ له: إن كان مِنَ المفترض أن نصحّح تصرّفاتنا، فلم لا نعمل على تصحيحها، فهل لون دمنا أشدّ حمرة مِن غيرنا؟! فإن كان ذلك الإشكال واردًا، فما المانع أن يَرد علينا أيضًا؟! إلى جانب ذلك، ما هي هذه السمعة الّتي ستبقى مع وجود تصرّفٍ خاطئ، ثمّ تزول بكلمتَي [عتاب وتأنيب]، أهذه سمعة برأيك؟! فهدأ عبد الله قليلًا وانتهى الموضوع عند هذا الحدّ. وخلاصة المسألة أنّه إن كانت هناك مؤاخذة فعلى الإنسان أن يتقبّلها.
كيف تعامل المحاضِر مع ملاحظات وُجّهت له
قبل شهر مِنَ الآن، وقبل أن يبدأ العام الدراسيّ هذا، جاءني أحد الأصدقاء – الّذي كنتُ أنوي أن أذكر اسمه إلّا أنّني احتملتُ عدم رغبته بذلك – فجلس في نفس هذا المكان، وقال لي: هناك مطالب تدور في ذهني، أريد أن أطرحها عليك. ثمّ تغيّر لون وجهه ولحن صوته. فقلتُ له: ما هذا، هل رأيتني سابقًا أنفعل عند سماعي النقد، هات ما عندك. فقال: لا، بل أريد أن استأذنك لذلك أوّلًا. فقلتُ: لا يحتاج الأمر إلى استئذان، فعلى الإنسان أن يصحّح أخطاءه، فقل ما عندك، فإن رأيتُ كلامكم وجيهًا فعليَّ أن أقبله، وإلّا شرحت لكم وجهة نظري، وأنا لا أجامل.
فأخرج عبد الله هذا مِن جيبه ورقة وبدأ بقراءة الفقرات (أ – ب ... الخ) وهكذا حتى وصل إلى آخرها، وكانت بحدود سبع أو ثماني فقرات. فلمّا فرغ منها قلتُ له: إنّ جميع الأمور الّتي كتبتها صحيحة، وهي انتقادات في محلّها، غير أنّ لديّ جواب واحد يشملها جميعها، فاسمع منّي هذا الجواب .. فلمّا سمع جوابي قال: إن كان الأمر كذلك، فأنا أسلّم لك. قلتُ له: إنّ المطالب الّتي طرحتها كانت صحيحةً، وسأعمل هذا العام على الاهتمام بشكلٍ أكبر بالدروس وغيرها.
