
الصدق وعدم الازدواجيّة
بيَّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) هنا طبيعة هذه السلسلة مِنَ المحاضرات، ووضّح موضوعها وغايتها وامتيازها. كما أسّس لما ستُبنى عليه المحاضرات اللاحقة.. موضوعنا هو السلوك إلى الله تعالى، وهذا الطريق لا بدّ له مِن أُسُسٍ وقواعدٍ ومبانٍ تقوّمه وتميّزه، فقال: إنّ الصدق وعدم الازدواجيّة والخلوص وعدم المزج بين الأمور النفسيّة والتكاليف، هو أساس السلوك الصحيح، وما يجب أن تدور حياتنا مداره في جميع شؤونها، وبهذا سلامة الدنيا والآخرة، فليس وراء الصدق ضرر دنيويّ وأخرويّ. هذا هو نهج الأولياء وسبب الثقة بهم. وفصلّ سماحته الكلام حول ذلك بالتنظير أحيانًا وبالقصص المصداقيّة أحيانًا أخرى.
الصدق وعدم الازدواجيّة
8هذا أوّلًا، [وقال أيضًا:] ثمّ إنّ بابي ليس مغلقًا بوجه أحد، فباستطاعتك أن تأتي وترى بنفسك، هل أنّ تصرّفاتنا تشبه تصرّفات الدراويش المعروفة، وهل كلامنا يشبه كلامهم! أبواب مجالسنا مفتوحة أمام الجميع – قال لي البعض أنّ مجالس عنوان البصريّ يحضرها بعض مَن لا نعرفه. فقلتُ لهم: فليحضروا، فما الّذي نطرحه في مجالسنا تلك! فليأتوا وليستمعوا لقولنا، وليسجّلوه ويأخذوه إلى أيّ مكان، فما المانع مِن ذلك – فيقول المرحوم القاضي هنا: إنّ أبواب مجالسنا مفتوحةٌ أمام الجميع، فتعال واستمع بنفسك إلى قولنا، إن كان كفرًا أو مخالفًا للشريعة، أو إن كنّا ندعو الآخرين إلى طريق الباطل!! تعال واستمع، وتحقّق بنفسك ممّا نقول، ثمّ إن شئت قبلته وإن شئت رفضته.
لاحظوا كيف أنّ العارف لا يخاف أحدًا، ولا يعمل بالخفاء، فلا تراه يوصي بعدم إفشاء كلامه. على أنّ موضوع الأسرار هو موضوع آخر، فلا ينبغي إفشاء السّر، نعم، بل ويعتبر ذلك مِن كبائر الذنوب ويستعقبه ظهور مشاكل نفسيّة، وحصول بعض التغيّرات والتبدّلات. هذا ما يتعلّق بإفشاء السّر، أمّا ما يتعلّق بالعمل في الخفاء، فلا يتأتّى هذا مِنَ العارف؛ فالعارف لا يعمل في الخفاء، ولا يقوم بأعمال لا يريد أن يعرفها الآخرون. وعليه، فما الّذي يعنيه قول [البعض]: لا ينبغي لأحد أن يطّلع على هذا العمل؟! فالعمل؛ إن كان باطلًا فهو باطلٌ، وإن لم يكن كذلك فعليك أن تصرّح به أمام الملأ .. فما معنى هذه التصرفات!! وما معنى أن تقول: ليس مِنَ المصلحة البوح بكذا، ولا صلاح أن ينتشر هذا الأمر وذاك!! إن جرت الأمور على هذا النحو، فستصبح أوضاع هذه المدرسة كالمدارس الأخرى والدكاكين. فالطريقة الفُضلى هي أن يقوم الإنسان بالتحقّق مِن صحّة أو سقم ما يسمعه، لتتّضح له الأمور، فيكون على بيّنة مِن أمره، وكانت هذه الطريقة مشهودة في تصرّفات ومعاملات المرحوم العلّامة رضوان الله عليه.
العلّامة السيّد الطهرانيّ يعاتب المحاضِر وشخص آخر
تحدّث المرحوم العلّامة في مجلس انعقد في مشهد في بيت أحد الرفقاء عصر أحد الأيّام، بمناسبة حادثة حصلت في ذلك الوقت، فوجّه المرحوم العلّامة كلامه إليَّ معاتبًا وقال: إنّ فلانًا يستخدم طلبة العلوم الدينيّة للعمل في بيته الّذي يبنيه في مشهد، الأمر الّذي يجعلهم يتخلّفون عن دروسهم. فقلتُ: إنّ البيت الّذي بناؤه يضيّع أوقات الطلّاب، فإنّ عدم وجوده أفضل مِن وجوده و ... . ورأيتُ حينها أنّ هذا الاعتراض على تصرّفي وارد، وإن كان الّذي أتى للعمل في منزلي هو طالب واحد فقط، ولكن علَيَّ أن لا أُخفي أنّ هذا الطالب قال حينها أنّه لا يستطيع أن يفهم إن لم يحضر الدرس.
