
الصدق وعدم الازدواجيّة
بيَّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) هنا طبيعة هذه السلسلة مِنَ المحاضرات، ووضّح موضوعها وغايتها وامتيازها. كما أسّس لما ستُبنى عليه المحاضرات اللاحقة.. موضوعنا هو السلوك إلى الله تعالى، وهذا الطريق لا بدّ له مِن أُسُسٍ وقواعدٍ ومبانٍ تقوّمه وتميّزه، فقال: إنّ الصدق وعدم الازدواجيّة والخلوص وعدم المزج بين الأمور النفسيّة والتكاليف، هو أساس السلوك الصحيح، وما يجب أن تدور حياتنا مداره في جميع شؤونها، وبهذا سلامة الدنيا والآخرة، فليس وراء الصدق ضرر دنيويّ وأخرويّ. هذا هو نهج الأولياء وسبب الثقة بهم. وفصلّ سماحته الكلام حول ذلك بالتنظير أحيانًا وبالقصص المصداقيّة أحيانًا أخرى.
الصدق وعدم الازدواجيّة
7قضيّة حصلت بين السيّد القاضي والسيّد الخوئيّ
عندما كان الشيخ بهجت حفظه الله۱ يتتلمذ على يد المرحوم آية الله الخوئيّ رضوان الله عليه في النجف، ذهب يومًا إلى المرحوم السيّد القاضي وطرح عليه مسألةً أصوليّةً وهي: هل يمكن للمتكلّم أن يقصد معانٍ مختلفة ومفاهيم متعدّدة بكلام واحد أم لا – كان المرحوم الخوئيّ يعتقد بعدم إمكانيّة ذلك وله أدلته، شأنه في ذلك شأن سائر الأفراد – فقال المرحوم السيّد القاضي (رضوان الله عليه) للشيخ بهجت: ولِمَ لا! فإنّ الأشخاص ذوي النفوس الضعيفة هم فقط الّذين لا يمكنهم ذلك – كأمثالنا – أمّا مَن وصل إلى مقام التجرّد، فقد تمكّن مِنَ الإشراف والسيطرة النفسيّة على كافّة المعاني والقوى في آنٍ واحد وبشكل متساوٍ، فلا مانع أن يريد عدّة معانٍ مِن لفظ واحد في نفس الوقت، فيكون هذا اللفظ مِن قبيل المشترك اللفظيّ ذي المعاني المختلفة. ثمّ ذهب الشيخ بهجت إلى السيّد الخوئيّ ونقل له كلام السيّد القاضي حول الموضوع الّذي تباحثوا فيه بالأمس، فقال له السيّد الخوئيّ: إنّ هذا الكلام ليس كلامك، أخبرني مِن أين جئت به. فقال له الشيخ بهجت أنّ هذا كان جواب السيّد القاضي، فقال السيّد الخوئيّ: توقّعتُ ذلك، ولكنّني أردتُ سماعه منك. ثمّ قال السيّد الخوئيّ ما خلاصته: أنا أنظر إلى السيّد القاضي بكلّ تعظيم وإجلال، ولكن ما يمنعني مِن مرافقته والتوفّق لزيارته، هو المطالب الصوفيّة والعرفانيّة الّتي تُطرح عنده، فهذا ما يقيّدني ويمنعني مِن مرافقته، وإلّا فأنا شغوفٌ جدًّا للاستفادة مِن محضره. ثمّ ينقل الشيخ بهجت ما قاله السيّد الخوئي إلى السيّد القاضي، فيقول له السيّد القاضي: ارجع إليه وقل له: أوّلًا إنّ هذا الكلام يُستبعد أن يصدر مِن جنابك وأنت أهل تحقيق.
أتلاحظون، كم هو رصين جواب السيّد القاضي. وهو الكلام نفسه الّذي نحن بصدد الحديث عنه الآن، [وهو يطابق ما] قلته سابقًا لذلك الرجل مِن أنّ فلانًا قد أضاع مئة ساعة مِن وقته، فلو أنّه صرف واحدًا بالمائة منها فقط بالمجيء إلى هنا، لَمَا أتلف التسع والتسعين ساعة الأخرى. [فلذا قال السيّد القاضي:] مِنَ المستغرب مِن جنابك، وأنت مِن أهل التحقيق والتدقيق، أن تتفوّه بهذا الكلام قبل أن تحقّق فيه. نعم، بما أنّك أهل تحقيق وتفحّص وبحث وتدقيق، فلا يمكن أن تَقبل بمطلب دون دليل على صحّته، فأنت تبحث في المسألة وتدقّق فيها مِن جهة علميّة، وتعقد المجالس للبحث حولها وتتناول أقوال الآخرين نقدًا وتجريحًا وتحليلًا وتعديلًا، فإمّا أن تؤيّد مطالب العظام أو تردّها، وفي نهاية المطاف تطرح رأيك النهائيّ بشأنها فتقبلها [أو ترفضها]. فما الّذي جعلك – والحال هذه – تحكم على مسألة كبيرة كهذه بناءً على ما يقوله هذا وذاك!! ما معنى هذا الكلام منك!! فهذا لا ينسجم مع النهج الّذي ينتهجه العالِم المحقّق!!
- كان الشيخ بهجت (رحمه الله) لا يزال على قيد الحياة حين ألقى سماحة السيّد هذه المحاضرة، فآثرنا المحافظة على العبارة كما وردت. (م)
