
الصدق وعدم الازدواجيّة
بيَّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) هنا طبيعة هذه السلسلة مِنَ المحاضرات، ووضّح موضوعها وغايتها وامتيازها. كما أسّس لما ستُبنى عليه المحاضرات اللاحقة.. موضوعنا هو السلوك إلى الله تعالى، وهذا الطريق لا بدّ له مِن أُسُسٍ وقواعدٍ ومبانٍ تقوّمه وتميّزه، فقال: إنّ الصدق وعدم الازدواجيّة والخلوص وعدم المزج بين الأمور النفسيّة والتكاليف، هو أساس السلوك الصحيح، وما يجب أن تدور حياتنا مداره في جميع شؤونها، وبهذا سلامة الدنيا والآخرة، فليس وراء الصدق ضرر دنيويّ وأخرويّ. هذا هو نهج الأولياء وسبب الثقة بهم. وفصلّ سماحته الكلام حول ذلك بالتنظير أحيانًا وبالقصص المصداقيّة أحيانًا أخرى.
الصدق وعدم الازدواجيّة
6ويا أختاه، ألم تحكي معي حول هذه القضيّة، وحول ما جرى في المكان الفلاني، حيث قلتِ لي: عليكَ أن تتحرّك في هذا المجال. فما الّذي جعلكِ تكتبين لي وتقولين: إنّ التصرّف بمنزل المرحوم العلّامة يجب أن يكون مِن قِبَل وصيّه الرسميّ، السيّد فلان فقط، وأيّ تصرّف لأحدٍ غيره يُعتبر تصرّفًا غصبيًّا ومحرّمًا شرعًا. فإنّ هذا الكلام يعني أنّني كنتُ أقوم بعمل محرّم! كيف يمكن أن يصل الأمر إلى هذا الحدّ؟! حسنًا، ما دام الأمر كذلك، فأنا لم أكن أنوي التصرّف فيه، ولا أريد أن أتصرّف فيه بعد الآن، مع أنّني أمتلك منه الحصّة الأكبر المشاعة، فهي ملكي الشخصيّ، ومع هذا لن أتصرّف بخلاف رضا بقيّة الورثة.
يجب أن تكون علاقتنا مع رفقاء الطريق ومع الأصدقاء مبنيّةً على الصدق أوّلًا – فلا مكان لإخفاء الأمور هنا – وأن لا يُقْدم أحدٌ منّا على عمل مِن تلقاء نفسه. فلو كنتُ أقبل أنا بخلاف ذلك، لتمكّنتُ مِن حلّ كافّة مشاكلي معهم منذ البداية، ولَمَا سمحتُ للأمور أن تصل إلى هذا الحدّ. نعم، أنا قادر أكثر مِن غيري على تسويتها [بتلك الطُرق]، لأنّني أستطيع أن أرضيهم بما أمتلكه مِن قدرة على البيان ومِن وعِلم. ولكن لماذا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟ ذلك لأنّني لم أستطع أن أتقبّل ما يجري، ولو مِن باب المجاز والادّعاء، ولم أستطع أن أنظر إلى الأمور وهي تجري على خلاف مسير العظماء ثمّ أرضى بها.
كان البعض يقول: على فلان أن يتنازل بعض الشيء، فهو حادٌّ جدًّا في حديثة ومعاملاته، عليه أن يكون هادئًا وأن يقدّم بعض التنازلات، وإلّا فكلامه صحيح وهو على حقٍّ. قلتُ: إن كان حقًّا، فالحقّ لا يعرف الحدّة والهدوء، ولا مجال فيه للمجاملة وأمثالها، إذ الحقُّ حقٌّ. فلِمَ لا تقبل بالحقّ عندما تراه، ولماذا لا تدافع عنه؟! إن كنتُ أنا حادًّا، فلْتكن أنت الهادئ، ولكن تقبّل الحقّ وقُل أمام الجميع: إنّ الحقّ مع فلان. ثمّ تعامل معهم أنت بهدوءٍ، وجاملهم واستقبلهم بوجه بشوش وأسلوبٍ لطيف. لماذا تنكر الحقّ، وتكتفي بالاعتراف به سرًّا أمام شخص واحد، فلِمَ لا تعترف به أمام الجميع؟! وأريد أن أقول هنا أنّ الله يُبيّن المطالب للجميع، وأنّ معيار تشخيص الحقّ عن الباطل موجود لدى الجميع، ولكنّنا نحن الّذين لا نعمل بموجبه.
