انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

الصدق وعدم الازدواجيّة

0
المرأة والأسرة
المرأة والأسرة

بيَّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) هنا طبيعة هذه السلسلة مِنَ المحاضرات، ووضّح موضوعها وغايتها وامتيازها. كما أسّس لما ستُبنى عليه المحاضرات اللاحقة.. موضوعنا هو السلوك إلى الله تعالى، وهذا الطريق لا بدّ له مِن أُسُسٍ وقواعدٍ ومبانٍ تقوّمه وتميّزه، فقال: إنّ الصدق وعدم الازدواجيّة والخلوص وعدم المزج بين الأمور النفسيّة والتكاليف، هو أساس السلوك الصحيح، وما يجب أن تدور حياتنا مداره في جميع شؤونها، وبهذا سلامة الدنيا والآخرة، فليس وراء الصدق ضرر دنيويّ وأخرويّ. هذا هو نهج الأولياء وسبب الثقة بهم. وفصلّ سماحته الكلام حول ذلك بالتنظير أحيانًا وبالقصص المصداقيّة أحيانًا أخرى.

الصدق وعدم الازدواجيّة

15
  • وقد زرنا في إحدى المرّات السيّدَ الحدّاد بمعيّة المرحوم العلّامة، وكان ذلك الرجل عند السيّد الحدّاد، فقال السيّد الحدّاد: يا عزيزي، ما دمتَ تحبّني، فعليك أن تلتزم بما أحبّه أنا، وأن تحبّ نهجي – طبعًا لم يكن السيّد يخاطب ذلك الرجل مباشرة بل كان يوجّه الكلام للمرحوم العلّامة لأجل أن يسمعه ذلك الرجل – وعليك أن تحبّ طريقي وأفكاري والمبادئ الّتي أتبنّاها. فأنت عندما جئت بخلاف رضا والدك، ألم تحسِب لما يمكن أن يقوله والدك عنّي! فقد يقول: ألا يؤمنوا بأنّ إذن الأب في السفر هو أحد شروط صحّته؟! [وقد يقول:] وإن كان الأمر كذلك، فكيف استقبل ابني في بيته وقد سافر دون إذني، ولماذا استقبله؟! ألن يسبّب تصرّفك هذا سوء فهم عند الآخرين؟! فهل ما قمتَ به أحسن، أو [أنّ الأحسن هو] أن تطيع والدك حتّى يصلك الفيض منّي؟! ليس الأمر مقترنًا دائمًا بالظاهر، حتّى يُقال إنّ الإنسان لا يحصل على شيءٍ إلّا حضوريًّا.

  • إن قبلنا بالسيّد الحدّاد على أنّه السيّد الحدّاد وبالسيّد العلاّمة على أنّه السيّد العلّامة،۱ فلن يكون السيّد العلّامة هو السيّد العلّامة إن أوصل الفيض فقط في حال الحضور [الظاهريّ]. فإن كان الفيض لا يصل منه إلّا في حال الحضور [الظاهريّ] فلن يساوي قيمة حبّة شعير، ففي مِثل هذه الحالة ينبغي عدم اتّباعه لأنّك لن تستفيد منه شيئًا. إنّما نقبل الحدّاد عندما يتساوى حضوره وغيابه بالنسبة إلينا. هل لاحظتم! فيجب أن يكون حضوره وغيابه واحدًا، فكيفيّة اعتنائه بنا وفيضه علينا في حال حضوره هي نفسها [في حال غيابه]، فيرعانا ويوصل إلينا فيضه عن طريق الباطن والغيب. وعليه، فذلك المسكين الّذي حضر هناك [بتلك الحال]، إنّما حضر بناءً على متطلبات هواه النفسيّة والخياليّة، وبناء على هوى محبّته، وبذلك لم ينل النصيب الكافي [مِنَ الفيض]. لماذا؟ لأنّه لم يتطابق مجيؤه ذاك مع المباني.

  • فالسلوك إذن يعني أن يقوم الإنسان بمطابقة حركته مع المباني والتكاليف، وإن أدّى ذلك إلى حصول مشاكل ورافقته المصاعب. فلو كان اليُسر توأم السلوك لَمَا كان للسالك فضلٌ في عمله. لاحظوا؛ لو أمرنا – مثلًا – بتناول طعام لذيذ هذه الليلة، كأن يكون لحمًا مشويًّا، لكان ذلك رائعًا ولفرحنا بمثل هذه البرامج السلوكيّة وتقبّلناها بقَبول حسن. ولو قيل لنا أن نسافر للترفيه عدّة أيّام، لقلنا: وفّقكم الله، وإلى المزيد مِن أمثال هذه البرامج. [أقول] لا يمكن أن تكون هذه البرامج برامجًا سلوكيّةً، بل إنّ البرنامج السلوكيّ هو الّذي يؤدّي إلى تجاوز النفس، ودَوس الأهواء بالأقدام. فلا يمكن لأحد أن يتجاوز النفس بالتمتّع باللذائذ ومشتهيات النفس – هذا ما كنتُ أريد أن أقوله لكم – فالسلوك عبارة عن مطابقة كافّة أمور الإنسان ونشاطاته وأقواله مع التكاليف، وإلّا فالذهاب إلى الحج وزيارة الإمام الرضا عليه السلام وأداء العمرة وزيارة كربلاء واللقاء بأولياء الله، كلّ ذلك لن يترك أيّ أثر على النفس إن كان بخلاف التكليف. وقد يلتفت الإنسان لهذا الأمر، حيث يرى أنّ كافّة أنشطته وأسفاره وقيام الليل وقراءة القرآن، قد تمّت وفق مشتهيات النفس؛ فكان لجوؤه إلى قراءة القرآن هو فرار مِن أداء التكليف [في الواقع]، وإقباله على صلاة الليل كان فرارًا أيضًا، وإشباعًا لرغبات نفسه، ولذلك تراه يبكي في صلاة الليل ويجعلها تطول ساعتين. وقد رأيت بنفسي أمثال هؤلاء الناس.

    1. هذه العبارة كناية عن المقامات العرفانيّة للسيّدين الجليلين (قدّس الله سرّهما). (م)