
الصدق وعدم الازدواجيّة
بيَّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) هنا طبيعة هذه السلسلة مِنَ المحاضرات، ووضّح موضوعها وغايتها وامتيازها. كما أسّس لما ستُبنى عليه المحاضرات اللاحقة.. موضوعنا هو السلوك إلى الله تعالى، وهذا الطريق لا بدّ له مِن أُسُسٍ وقواعدٍ ومبانٍ تقوّمه وتميّزه، فقال: إنّ الصدق وعدم الازدواجيّة والخلوص وعدم المزج بين الأمور النفسيّة والتكاليف، هو أساس السلوك الصحيح، وما يجب أن تدور حياتنا مداره في جميع شؤونها، وبهذا سلامة الدنيا والآخرة، فليس وراء الصدق ضرر دنيويّ وأخرويّ. هذا هو نهج الأولياء وسبب الثقة بهم. وفصلّ سماحته الكلام حول ذلك بالتنظير أحيانًا وبالقصص المصداقيّة أحيانًا أخرى.
الصدق وعدم الازدواجيّة
14كنَّا نرى بأنفسنا حصول مثل هذه الأشياء في زمن المرحوم العلّامة، كانوا يقولون له: أين تريد أن تذهب لكي نأتي معك. [أقول:] ما علاقتك بهذا الموضوع يا هذا؟! فإن قيل لك تعال، فاذهب حينئذٍ. [أو يقولون:] هل نفعل هذا، وهل نفعل ذاك؟
أمّا ذلك الرجل فلم يعرض على العلّامة يومًا أن يرافقه، [فلسان حاله يقول:] لو تطلّب الأمر، لقال لي ذلك، فأنا بانتظار أوامره ونواهيه – وكان المرحوم العلّامة يستدعيه أحيانًا ليرافقه – فهو لم يحفظ لنفسه حقّ الاختيار في مقابل أوامر المرحوم العلّامة ونواهيه، ولم يَعتبر أنّ لنفسه منزلة، ولم يقُل: هل ما طرحه المرحوم العلّامة يتلاءم مع نفسي وشأني الشخصيّ، أم لا؟! [ولم يقل:] هل أخذني بعين الاعتبار أم لا؟! ولم يقل: ما دام كلامه يتعارض مع شأني فلن أقبله!
الأمور الّتي أطرحها عليكم الآن، هي أمور مهمّة جدًّا، فبمِثل هذه الاعتراضات كان يعترض الآخرون، ويقولون: لنذهب إلى المرحوم العلّامة ونوضّح له موقفنا، لكي يغيّر نظرته تجاهنا، إذ نحن لم نقم بعمل يستحقّ أن يؤاخذنا عليه، فلنطرح عليه الموضوع بالشكل الّذي يغيّر معه نظرته السابقة تجاهنا. فلنقُل: لقد نُقل لك الموضوع بشكل مغاير للواقع .. [أقول:] ما دام المرحوم العلّامة قد قال عنك هذا الشيء، فهو يعلم ما فيه مصلحة لك، فاطرق رأسك إلى الأرض وقل: سمعًا وطاعة. أمّا إن كنتَ لا تثق به، فللمسألة حينئذٍ شأنٌ آخر.
أمّا ذلك الرجل، فقد كان تصرّفه كما ذكرنا، وعندما عاد مِنَ الحجّ، رأينا آثار الحجّ ظاهرةً عليه .. فالسلوك يعني أن يعمل الإنسان على تطبيق التكاليف الّتي رسمها الله له على نفسه. نعم هذا هو السلوك.
السلوك هو الرضى بالتكاليف؛ قصّة سفر أحد محبّي السيّد الحدّاد للقائه
لم أقصد أن أطرح بحث السلوك والتطبيق في هذا المجلس، بل نويتُ طرحه في المجلس القادم، لأنّه يتطلّب [بعض الأمور]، فنكتفي هنا بالإشارة إليه.
كان أحد أصدقاء المرحوم الحدّاد (رضوان الله عليه) يحبّه كثيرًا، وكان حبًّا حقيقيًّا، ولا مجال للشكّ في محبّته وتفانيه في حبّ السيّد الحدّاد، غير أنّ والد هذا الشخص لم يكن يرغب في حصول هذا الارتباط [بين ولده] وبين السيّد الحدّاد. وكانت علاقة هذا الرجل بالسيّد الحدّاد إلى درجة دعته أن يقصد كربلاء للقاء السيّد – والحال أنّ ذلك لم يرق لأبيه بل كان خلاف أمره – فدفعته هذه العلاقة مرّة للسّفر إلى كربلاء بطريقة غير عاديّة، فعبر الحدود بطريقة غير رسميّة، والتقى بالسيّد الحدّاد.
