
الصدق وعدم الازدواجيّة
بيَّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) هنا طبيعة هذه السلسلة مِنَ المحاضرات، ووضّح موضوعها وغايتها وامتيازها. كما أسّس لما ستُبنى عليه المحاضرات اللاحقة.. موضوعنا هو السلوك إلى الله تعالى، وهذا الطريق لا بدّ له مِن أُسُسٍ وقواعدٍ ومبانٍ تقوّمه وتميّزه، فقال: إنّ الصدق وعدم الازدواجيّة والخلوص وعدم المزج بين الأمور النفسيّة والتكاليف، هو أساس السلوك الصحيح، وما يجب أن تدور حياتنا مداره في جميع شؤونها، وبهذا سلامة الدنيا والآخرة، فليس وراء الصدق ضرر دنيويّ وأخرويّ. هذا هو نهج الأولياء وسبب الثقة بهم. وفصلّ سماحته الكلام حول ذلك بالتنظير أحيانًا وبالقصص المصداقيّة أحيانًا أخرى.
الصدق وعدم الازدواجيّة
13كما أنّنا جميعًا مرايا، غير أنّنا نضيف وننقص مِن عند أنفسنا، فنقوم باللفّ والدوران وتأويل بعض الأمور لتصبّ في مصلحتنا، أما ما يضرّنا فنتعامل معه بشكل آخر، فترانا نقول: لماذا تجري الأمور معنا بهذا الشكل، ولماذا أضرّ هذا الأمر بنا. ونبدأ بالتذمّر وإلقاء اللوم؛ والسبب في ذلك هو أنّ مرايانا مشوّهة، فما عليك إلّا أن تكون صريحًا أيّها السيّد، وما لم نصل إلى هذه النقطة، فلا فائدة ترجى مِن عملنا. أي علينا أن نصل إلى النقطة الّتي نتقبّل فيها الأمور على ما هي عليه، دون أن نزيد عليها أو ننقص منها شيئًا، وما لم نصل إلى هذا النقطة لن يفيدنا حضور هذه المجالس، نعم، قد تحصل فائدة ما للإنسان وقد تحصل له بعض الحالات، ولكنّنا لن نجد تلك النتيجة المرجوّة.
السلوك هو أداء التكاليف؛ قصّة أحد مرافقي العلّامة إلى الحجّ
أتعلمون أيّة عبارة يمكننا أن نلخّص بها معنى طريق السلوك والطريق إلى الله والحركة في الطريق إلى الله، هي أن يُقال: إنّ السلوك يعني أداء الإنسان لتكليفه. هذا هو السلوك، فلا [ينبغي] للمرء أن يقول: أنا أرغب في العمل بهذا الشكل؛ فحتّى لو لم يكن هناك ضررٌ في أن يعمل الإنسان طبق ما يميل إليه قلبه، غير أنّ هذا لن يكون سلوكًا ولا تطبيقًا للتكليف على النفس؛ بل كلّما عمل الإنسان على أداء التكاليف أكثر، كان النفع الّذي سيجنيه أكبر وكانت استفادته أكثر.
ذهب المرحوم العلّامة (رضوان الله عليه) إلى الحجّ الواجب مرّةً، مصطحبًا سبعة عشر أو ثمانية عشر فردًا مِن أصدقائه، واصطحب الكثير منهم زوجاتهم معهم، وكان ذلك في عهد ملك إيران السابق، ولم أكن معهم في تلك الرحلة. ولقد استفاد الجميع مِن فيوضات الحجّ، كلٌّ بقدر سعته، غير أنّ المرحوم العلّامة أشار إلى أحدهم قائلًا: لقد استفاد فلان كثيرًا. نعم، قد أشار المرحوم العلّامة إلى اثنين منهم، غير أنّ إشارته إلى الآخر كانت لأجل جهة أخرى، أمّا بالنسبة إلى الشخص الأوّل فقد قال المرحوم العلّامة عنه أنّه – ومِن بين الجميع – قد استفاد كثيرًا. أتعلمون سبب ذلك؟ السبب هو أنّه لم يكن يرى لنفسه مكانة؛ فإن قيل له افعل كذا، يفعله، وإن قيل له لا تفعل، فلا يفعل، وإن قيل له اذهب، فيذهب، وإن قيل له لا تذهب، فيتوقف. ولم يقل للمرحوم العلّامة يومًا: أين تنوي الذهاب لكي آتي معك؟ هل لاحظتم!
