
الصدق وعدم الازدواجيّة
بيَّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) هنا طبيعة هذه السلسلة مِنَ المحاضرات، ووضّح موضوعها وغايتها وامتيازها. كما أسّس لما ستُبنى عليه المحاضرات اللاحقة.. موضوعنا هو السلوك إلى الله تعالى، وهذا الطريق لا بدّ له مِن أُسُسٍ وقواعدٍ ومبانٍ تقوّمه وتميّزه، فقال: إنّ الصدق وعدم الازدواجيّة والخلوص وعدم المزج بين الأمور النفسيّة والتكاليف، هو أساس السلوك الصحيح، وما يجب أن تدور حياتنا مداره في جميع شؤونها، وبهذا سلامة الدنيا والآخرة، فليس وراء الصدق ضرر دنيويّ وأخرويّ. هذا هو نهج الأولياء وسبب الثقة بهم. وفصلّ سماحته الكلام حول ذلك بالتنظير أحيانًا وبالقصص المصداقيّة أحيانًا أخرى.
الصدق وعدم الازدواجيّة
12[والشاهد على ذلك] بعض ما نزل في القرآن مِن آيات في مدح النبيّ، كآية: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾۱، أي إنّ محمّدًا ليس أبا أحد منكم، حتّى تتكلّموا معه بمثل قولكم: يا محمّد حدّثني، ويا محمّد افعل كذا وكذا. بل عليكم أن تتعاملوا معه باحترام، فهو رسول الله وخاتم النبيّين. وآية: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ﴾٢، وآية: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ۱ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾٣، أي تعظيمًا لك وإجلالاً لمقامك لا أستطيع أن أقسم بهذا البلد الّذي تسكنه. إنّ هذه الآيات تدلّ على عِظم مقام النبيّ، وعلوّ شأن حقيقته. وكذلك آية: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ۱ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾٤، وآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبينِ﴾٥، هذه الآية تتحدّث عن المشاهدات الجلاليّة والجماليّة للرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم. وهناك آية، تتحدّث عن المشاهدات الذاتيّة، وذلك في مقامٍ لا يستطع أحد [أن يصل إليه أحد، وهي آية]: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ۸ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾٦. إنَّ هذه الآيات تدلّ على عِظم وجلال مقام رسول الله.
ومِن جانب آخر نجد آيات تُؤاخذ النبيّ وتحاسبه، وهي توضّح وضع النبيّ، فتقول: إن أراد هذا النبيّ أن يضيف أو يُنقص مِن عنده شيئًا، فسيُحاسَب على ذلك، كالآيات الّتي تقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاويلِ ٤٤ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ٤٦ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزينَ﴾۷، أي لو أنّ هذا النبيّ حاول أن يضيف مِن عنده أو ينقص كلمة، لسحقنا عظام ظهره، ولقطعنا عِرق حياته الرئيسيّ. أتلاحظون أيّة عبارات استُخدمت هنا [فهي تقول:] لا تتصوّر أنّك تستطيع أن تقوم بأيّ عمل تريد، فلا يحقّ لك أن تتسامح أو تتساهل في تطبيق الأحكام، وعليك أن تطبّق عين ما نقوله لك، ولا يجوز لك أن تزيد عليه أو تنقص منه شيئًا.
وعليه، نلاحظ كيف أنّ النبيّ يُبلّغ الناس بكلا النوعين مِنَ الآيات مِن دون مجاملة. هكذا يكون النبيّ؛ فلا الآيات الّتي تمتدحه وتمجّده تؤثّر في حاله شيئًا عندما يبلّغها للناس، ولا تلك الّتي تتحدّث عن محاسبته وتُظهر عزّة الله وغيرته [كذلك]، فهي تبيّن استواء كافّة الناس أمام مقام العظمة الإلهيّة، فيقول له الله هنا: أنت كبقيّة الناس، لا تَفرق عنهم شيئًا .. فالنبيّ لا يتأخّر عن إبلاغ مثل هذه الآيات، بل لعلّه يعجّل في إبلاغها – هذا كلامي أنا – فلا فرق عند النبيّ بين ذلك شيئًا. هذا هو مقام رسول الله، وهكذا يكون النبيّ، وهذا مقام مَن تجاوز النفس وأصبح مرآةً صافيةً لا تموّج فيها.
- سورة الأحزاب (٣٣)، جزء مِنَ الآية ٤۰.
- سورة الأنبياء (٢۱)، جزء مِنَ الآية ۱۰۷.
- سورة البلد (٩۰)، الآيتان ۱ و ٢.
- سورة الطارق (۸٦)، الآيتان ۱ و ٢.
- سورة التكوير (۸۱)، الآية ٢٣.
- سورة النجم (٥٣)، الآيتان ۸ و ٩.
- سورة الحاقة (٦٩)، الآيات ٤٤ – ٤۷.
