
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثالثة
أهم محتويات المحاضرة: - العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد؛ - حقيقة ارتباط الأولياء بالإمام عليه السلام؛ - معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ؛ - رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام؛ - العارف عاشق لكلّ عالم الوجود؛ - العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة؛ - دور الشهود في إدراك حقيقة التوحيد؛ - اشتراك الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع) في الولاية على كلّ ما سوى الله تعالى؛ - اختلاف الأئمّة عليهم السلام من حيث الظاهر؛ - السعة الوجوديّة والاستمداد من الأسماء الكلّية وجه آخر لاختلاف الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع). و...
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
27لاحظوا معي هذه الأوراق الموضوعة أمامكم، كم يبلغ عددها؟ عشرة أوراق، أو عشرون ورقة؛ لكنّها في نهاية المطاف ستنتهي؛ وهكذا الشأن بالنسبة للأسئلة التي تُريدون طرحها؛ فإنّها ستقف في الأخير عند موضع معيّن إن شاء الله تعالى؛ لأنّها لم تصل إلى مرتبة الإطلاق؛ غير أنّ علم الله تعالى لا ينتهي ما دام الإله إلهًا؛ فهل يُمكننا أن نتصوّر بأنّ حياة الله تعالى ستنتهي في آن من آنات الدهر (وليس حتّى الزمان)؟ كلاّ، لأنّ هذا التصوّر في حدّ ذاته باطل؛ ففي نفس الوقت الذي تعمل فيه الحياة الإلهيّة على ضمان بقاء الحقّ تعالى، فإنّ علم الله تعالى لا ينتهي؛۱ ممّا يعني أنّه: ما دام الإله يُمارس ألوهيّته، فلن يتمكّن الرسول من الإحاطة بعلمه تعالى.
لماذا كان النبيّ يقول باستمرار: «ربِّ زِدني فيكَ تَحَيُّرًا»؟ وما هو منشأ زيادة الحيرة؟ فإذا كان الإنسان جاهلاً بمسألة معيّنة، هل سيُصاب بالحيرة تجاهها؟ كلاّ؛ لأنّ الجاهل لا يفقه منها شيئًا. إنّ الحيرة تحصل من أمرين اثنين: الأوّل هو العلم بمسألة معيّنة، والثاني هو الشعور بالجهل تجاه الأعلى منها؛ فهذان الأمران يُساهمان في حيرة الإنسان. لقد قال رسول الله: «ربِّ زِدني فيكَ تَحَيُّرًا» في اللحظات الأخيرة من عمره الشريف، وبعد أن بلغ مقام ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾،٢ وصار خاتم النبيّين، وطوى كافّة مراتب البقاء والفناء بأتمّ الوجوه وأكملها؛ فما الذي يعنيه ذلك؟ يعني: إنّنا لا زلنا في بداية الخطّ! فهذه المسألة هي التي كنت أقصدها حينما تحدّثت عن السعة الوجوديّة، ولم أكن أقصد مسألة الولاية على العالم؛ لأنّها أقلّ شيء وهبه الله تعالى للأئمّة والمعصومين، حيث لا يوجد بينهم أدنى اختلاف من هذه الناحية.
وأمّا ما يتميّز به وجود الرسول عن الأئمّة، فيتمثّل في أمورٍ لا يتحمّلها فكرنا ولا قابليّتنا، وتتعلّق بمقام علم الله تعالى وقدرته وحياته؛ كما أنّ أمير المؤمنين كان مختلفًا من هذه الناحية، وكذلك الإمام الصادق؛ فمن جهة السعة الوجوديّة، كان لكلّ واحد من الأئمّة وجود مغاير لوجود الآخر؛ وأمّا من جهة الولاية على عالم الوجود، فقد كانوا سواءً؛٣ وسيكون شأن هذه المسألة شأن ما ذكرته سابقًا عن إشراف عدّة أطبّاء على مرض واحد؛ فلو جاء النبيّ، لشخّص نفس المرض، ولو جاء إمام الزمان، لشخّص المرض ذاته، ولوصف عين الدواء الذي يصفه النبيّ.
- أي أنّ الحياة الإلهيّة تعمل على ضمان بقاء هذا العلم أيضًا. المترجم
- سورة النجم، الآية ٩.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: الروح المجرّد، ص ٥٦٩؛ معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢٤٣؛ كتاب عنوان البصري (فارسي)، ج ۱، ص ۱۸۷.
