
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثالثة
أهم محتويات المحاضرة: - العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد؛ - حقيقة ارتباط الأولياء بالإمام عليه السلام؛ - معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ؛ - رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام؛ - العارف عاشق لكلّ عالم الوجود؛ - العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة؛ - دور الشهود في إدراك حقيقة التوحيد؛ - اشتراك الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع) في الولاية على كلّ ما سوى الله تعالى؛ - اختلاف الأئمّة عليهم السلام من حيث الظاهر؛ - السعة الوجوديّة والاستمداد من الأسماء الكلّية وجه آخر لاختلاف الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع). و...
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
21العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة
فحينما ينظر العارف إلى الذات الإلهيّة، لا يُمكنه أن يتصوّر آثارها الوجوديّة بنحو منفصل عنها؛ فهذه هي الرؤية والواقعيّة الأولى.
وأمّا الواقعيّة الثانية المكنونة في نفس العارف، فتتمثّل في المحافظة على عالم الظاهر والكثرة، ومراعاة قوانينه؛ إذ حينما يأتي إلى هنا، يجد عالم الإرادة والاختيار، وعالم الأمر والنهي والشريعة، ومسألة الطاعة والعصيان، والتي ترتبط كلّها بعالم الاختيار؛ وبسبب هذه الواقعيّة، فإنّه يُميّز بين الناس على مستوى العلاقات الظاهريّة؛ فيحترم الإنسان الصالح، ويُعاقب المذنب، ويعاتبه، ويُوبّخه بنفس ما كان يفعله الأئمّة والأنبياء.
فيسعى العارف للمحافظة في نفسه على هذين البعدين الواقعيّين؛ أي في عين أنّه يُعاتب ويُعاقب ويُوبّخ، فإنّ تلك الجهة التعلّقية والربطيّة تكون محفوظة في داخله؛ ومع أنّه يتوفّر على هذه الجهة التعلّقية والربطيّة، فإنّنا نجده يُراعي تلك الجهة الظاهريّة، والمسائل التي تتحقّق في هذا العالم؛ لأنّ إرادة الله ومشيئته اقتضتا ذلك؛ وهو تعالى الذي أراد أن يتبلور هذا اللحاظان، بنحوٍ يكون كلّ واحد منفصل عن الآخر، لكنّه موجود في جانبه.
وهنا، نرى أنّ الإنسان الواصل إلى مرتبة الكمال ومقام البقاء والجمع هو الذي يتمكّن من تحقيق هذين البعدين بنحو أكمل؛ وليس هو سوى ذات الإمام عليه السلام؛ ويأتي بعده، العارف الذي استطاع أن يُحقّق أكثر هذه المسألة؛ أي أنّ أكثر ما نلحظه في المراتب الكماليّة للعرفاء هو مراعاة هذين البُعدين.۱
فنرى في بعضهم سيادة البُعد الأوّل والحيثيّة الأولى؛ لكن، في البعض الآخر لا يكون لهذا البُعد الأوّل أيّ ترجيح بتاتًا؛ وهم علماء الظاهر الذي لا يرون إلاّ الظاهر، من دون أن يكون لديهم أدنى اطّلاع على الباطن، بحيث قد يكون لأحد الأفراد باطن جيّد، لكنّ عمله الظاهريّ غير مناسب، فيلجؤون إلى مواجهته بسبب اقتصار رؤيتهم على الظاهر؛ وكمثال على ذلك، كم كان هناك من العلماء الذين أعدموا بعضًا من أهل العرفان لأنّهم كانوا في الظاهر من الصوفيّة! لماذا حصل ذلك؟ لأنّهم حصروا نظرهم بالظاهر، ولم يكونوا ينظرون بتاتًا للبُعد الآخر؛ فلأنّه كان عالِمـًا ظاهريًّا، ولم يكُن يرى باطن الإنسان وضميره وحقيقته، ورآه في الظاهر فقط يقوم بعمل غير مناسب إلى حدّ ما، فإنّه يقول: «انتهى الأمر، لقد صار صوفيًّا، ووجب قتله!»؛ أو سمعه يتلفّظ بكلام لم يفهمه، فإنّه يقول: «بما أنّني لم أفهم كلامه، فإنّه نطق بالكفر! وبما أنّه تحدّث عن حقيقة الوجود ووحدته، فإنّه كافر!»؛ حسنًا، أنا أيضًا أقول بوحدة الوجود، فيجب إذن أن تحكموا عليّ بالنجاسة والكفر، وتُعدموني! افعلوا ذلك! لماذا تخافون إذن؟! لقد كان العلاّمة الطباطبائيّ، والملاّ صدرا، ووالدي، والكثير من العظماء يعتقدون بوحدة الوجود؛ أ لم يكُن المرحوم آية الله الخمينيّ يقول بوحدة الوجود؟! لقد كان يقول بها؛ وبالمناسبة، فقد كان يطرح مسائل عرفانيّة مثيرة للاهتمام كثيرًا، حيث أذكر أنّه تطرّق في تفسيره لسور الحمد إلى العديد من هذه المسائل الراقية؛ وهي مسائل سامية وبديعة حقًّا.٢ فهل علينا ـ والحال هذه ـ أن نقول: كلّ هؤلاء محكومون بالنجاسة؟! وبكلّ هذه السهولة؟! ثمّ نأتي بعد ذلك، ونُصدر الحكم بالإعدام والقتل والنفي! حسنًا يا عزيزي، إذا كنت لا تفهم المسألة، فاذهب، وزد من فهمك! وبذلك، ستُريح نفسك، و تتجنّب تعريض الآخرين للأذى والبلاء!
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: لبّ اللباب، ص ٥.
- تفسير سورة الحمد، الفصل الثالث.
