
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثالثة
أهم محتويات المحاضرة: - العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد؛ - حقيقة ارتباط الأولياء بالإمام عليه السلام؛ - معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ؛ - رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام؛ - العارف عاشق لكلّ عالم الوجود؛ - العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة؛ - دور الشهود في إدراك حقيقة التوحيد؛ - اشتراك الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع) في الولاية على كلّ ما سوى الله تعالى؛ - اختلاف الأئمّة عليهم السلام من حيث الظاهر؛ - السعة الوجوديّة والاستمداد من الأسماء الكلّية وجه آخر لاختلاف الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع). و...
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
20ولماذا نعمد إلى تقبيل الباب أثناء الدخول إلى حرم المشاهد المشرّفة؟ ومع أنّنا نعثر على هذا الباب في عدّة أماكن، وهي مصنوعة من مجرّد خشب وحديد وموادّ أخرى؛ لكن، بما أنّها رُكّبت الآن في حرم الإمام الرضا عليه السلام، فإنّها صارت مختلفة عن بقيّة الأبواب؛ ورغم أنّ الضريح من حديد، والحديد لا يُقبّل؛ لكن، بما أنّ هذا الضريح أصبح منسوبًا للإمام الرضا عليه السلام، صار لازمًا عليكم مسح أعينكم به؛ فمتى ما كان المرحوم العلاّمة يذهب إلى الحرم، كان يهوي للأرض، ويُقبّل العتبة؛ وبدوري أيضًا، حينما أدخل إلى المشاهد المشرّفة، أهوي للأرض، وأقبّل العتبة؛ وكذلك الشأن عندما أريد الخروج من الحرم أثناء التوديع، وأداء الزيارة الأخيرة.
سمعت أنّ المرحوم السيّد البروجرديّ كان يُشكل على هذه المسألة، ويقول: «إنّها تُشبه السجود»؛۱ كلاّ! لا تُشبه السجود؛ لأنّ التقبيل مختلف عن السجود؛ والسجود يكون لله تعالى، في حين أنّ التقبيل يكون من باب الخضوع، وإبراز المحبّة؛ ونحن لا نسجد للإمام الرضا، بل نُقبّل أعتابه، ونُكحل أعيننا بترابها؛ كلاّ! فما ذكره مجانب للصواب؛ لأنّ التقبيل مغاير للسجود، حيث يتعيّن علينا السجود لله وحده؛ كما أنّ الإمام الرضا لا يسمح في مقام الغيرة بأن يسجد له أيّ أحد، ويضعه في مقابل الله تعالى؛ لأنّه إمام، والإمام لا يقوم بهكذا أفعال؛ غير أنّ تقبيل العتبة عبارة عن إبراز للمحبّة والمودّة؛ وصحيح أنّ هذه العتبة حجر، والحجر موجود في كلّ مكان؛ لكنه حجر يفوق حتّى رأس جبرائيل؛ لأنّه يخصّ الإمام الرضا؛ فهذه هي حقيقة الأمر.٢
ففي رؤية العارف، يوجد بُعدان لنزول عالم الكثرة؛ وذلك العارف الذي يحصر عشقه ومحبّته وتوجّهه بأجمعه في الله تعالى، كيف يُمكنه أن يرى آثار الحقّ الوجوديّة منفصلة عنه؟! فتجده يقول في نفسه: إنّ الله هو الذي خلق هذا الشيء، وإرادته تعالى قد تعلّقت به، أ فيكون بوسعي أن أوجّه نظري للحقّ، وأصرف هذا النظر عن آثاره؟! لأنّ الذي يعشق المحبوب يعشق حتّى آثاره الخارجيّة، مهما كانت هذه الآثار.
وعليه، فإنّ الرؤية الأولى التي يمتلكها العارف تجاه المظاهر الخارجيّة في عالم التعيّنات ـ سواء كانت ملائكة، أو صورًا مجرّدة، أو إنسًا، أو جنًّا، أو شياطين، أو أفرادًا مؤمنين أو كفّارًا، أو حيوانات، أو جمادات ـ هي رؤية تعلّقية وربطيّة بالذات الإلهيّة تكون فيها هذه المظاهر عبارة عن وجودات متنزّلة من مقام إرادة الله تعالى ومشيئته. فحينما تدخل إلى منزل رفيقك الذي يكون له ثلاثة أولاد؛ اثنان منهم صالحان، والثالث يرتكب حتّى المحرّمات، هل تقوم من مكانك، وتضربه أمام صديقك؟ أم أنّك تكون ملزمًا بمراعاة الأدب، وتسعى لإبراز الاحترام تجاه [صديقك]؟ لأنّه أعلم بحاله، ولا يُمكنكم التدخّل في شؤونه؛ كما أنّ ما يقتضيه إظهار الأدب والاحترام في حقّه أن تحترم أيضًا جميع أولاده بسبب انتسابهم له؛ أجل، إن لجأ هو إلى العقاب ألف مرّة، فلا يوجد أيّ إشكال؛ لكن، إذا رأى أنّ أحدًا يُقلّل من احترام ابنه، فإنّه سينزعج منه، بل قد يعمد إلى مجابهته؛ ولهذا، تجده يقول: عليّ أنا معاقبته! وإذا قمت أنا بذلك، فلا يوجد أيّ إشكال؛ لكنّكم لا تستطيعون أنتم ولا غيركم القيام بهذا الفعل.
- لمزيد من الاطّلاع على هذه المسألة، راجع: گلشن اسرار (فارسي)، ج ۱، ص ۸۷.
- راجع: الروح المجرّد، ص ٢۱٤.
