
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثالثة
أهم محتويات المحاضرة: - العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد؛ - حقيقة ارتباط الأولياء بالإمام عليه السلام؛ - معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ؛ - رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام؛ - العارف عاشق لكلّ عالم الوجود؛ - العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة؛ - دور الشهود في إدراك حقيقة التوحيد؛ - اشتراك الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع) في الولاية على كلّ ما سوى الله تعالى؛ - اختلاف الأئمّة عليهم السلام من حيث الظاهر؛ - السعة الوجوديّة والاستمداد من الأسماء الكلّية وجه آخر لاختلاف الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع). و...
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
19يقول مولانا جلال الدين الروميّ:
پس بد مطلق نباشد در جهان *** بد به نسبت باشد اين را هم بدان زهر مار آن مار را باشد حيات *** نسبتش با آدمى باشد ممات۱ [يقول: لا وجود للشرّ المطلق في العالم، فاعلم: أنّه إنْ كان هناك شرّ فهو نسبيّ السمّ للأفعى قوام حياة، *** لكنّه للناس محض ممات]
وعليه، فإنّ كلّ شيء في هذا العالم تحقّق بإرادة الله تعالى ومشيئته، غاية الأمر أنّ دائرة الاختيار تختصّ بالإنسان والجنّ، بل وحتّى الملائكة، في حين أنّ الحيوانات والجمادات لا اختيار لها، اللهمّ إلاّ بنحو ضعيف، بحسب ما تملك من مشاعر؛ لكن، مع ذلك، فإنّ أصل وجود كافّة الأفراد، سواءً كانوا مؤمنين أو كفّار، أو مشركين أو صالحين، أو ... قد تحقّق بأجمعه بإرادة الله تعالى ومشيئته؛ فلا ريب في ذلك بتاتًا.
وتتوفّر رؤية العارف لعالم الخلق على كلا البُعدين معًا، حيث يتمثّل البُعد الأوّل في النظر إلى إرادة الله ومشيئته الكليّتين والشاملتين لعالم الوجود برمّته، بحيث يكون كلّ شيء قد تحقّق بواسطة هذه الإرادة والمشيئة؛ فحينما يقول سعدي؛ مع أنّه لم يكن عارفًا، ولم يكن يستوعب هذه المسائل بتاتًا، بل اقتصر على اقتباسها من الآخرين، والتأليف بينها:٢
به جهان خرّم از آنم كه جهان خرّم از اوست *** عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست٣ [يقول: إنّي سعيد ومُبتَهج بهذا العالَم لأنّ العالَم كلّه سعيد ومُبتَهج به هو؛ وأنا عاشقٌ لكلّ العالَم لأنّ العالَم كلّه صادرٌ منه]
فإنّه يريد القول: حينما ينظر العارف إلى الله تعالى، فإنّ قلبه يتعلّق بكافّة مظاهره أيضًا؛ إذ متى ما أحببتم معشوقًا ما، فإنّك ستُحبّون حتّى اللباس الذي عليه؛ لأنّ محبوبكم ارتداه؛ مع أنّ هذا اللباس كان سابقًا في المتجر، وقد تكونون مررتم به في الشارع من دون أن تعتنوا به؛ لكن، ما إن حلّ ببدن محبوبكم، حتّى تسعوا إلى تقبيله؛ مع أنّه ظلّ على حاله، ولم يزدد وزنه! وحذاء محبوبكم يكون كذلك محبوبًا بالنسبة إليكم؛ وهكذا الشأن أيضًا فيما يخصّ المنديل الذي يضعه محبوبكم في جيبه، والسواك الذي يُنظّف به أسنانه، والنظّارات التي يضعها على عينيه، والقلم الذي يكتب به؛ فكلّ هذه الأمور تكون محبوبة لديكم؛ لأنّكم تعشقون ذلك المحبوب؛ وبالتالي، تعشقون آثاره بأجمعها أيضًا؛ ألا تُلاحظون ذلك؟ أ وليس الناس بهذا النحو؟! فحينما يدخل المحبّ والعاشق منزل محبوبه ومعشوقه، ولا يجده هناك، تراه يُقبّل الباب، ويسعى لتقبيل طاولته ومحبرته وقلمه ولباسه؛ في حين أنّ هذا اللباس مجرّد ثوب!
- المثنوي المعنوي، الكتاب الرابع.
- لمزيد من الاطّلاع على رأي المرحوم القاضي رضوان الله تعالى عليه بخصوص سعدي، راجع: مهر تابناك (فارسي)، ج ۱، ص ٢۷٣.
- كلّيات سعدي، المواعظ.
