
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثالثة
أهم محتويات المحاضرة: - العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد؛ - حقيقة ارتباط الأولياء بالإمام عليه السلام؛ - معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ؛ - رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام؛ - العارف عاشق لكلّ عالم الوجود؛ - العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة؛ - دور الشهود في إدراك حقيقة التوحيد؛ - اشتراك الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع) في الولاية على كلّ ما سوى الله تعالى؛ - اختلاف الأئمّة عليهم السلام من حيث الظاهر؛ - السعة الوجوديّة والاستمداد من الأسماء الكلّية وجه آخر لاختلاف الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع). و...
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
9إنّ عبارات من قبيل: حسين الزمان وعليّ الزمان باعثة حقًّا على الخجل! ونحن لا نسمعها من العرفاء، ولا نراها في كلمات أمثال العلاّمة الطباطبائيّ؛ ولهذا، قلت لكم في الجلسة السابقة أنّه يلزمنا أن نرى من هم الذين علينا اتّخاذهم أسوة؛۱ فهذه هي المسألة المهمّة؛ أي أن نقتدي ونتأسّى بالذي عُجنت روحه بالإمام والولاية؛ فهذا هو الذي ينبغي أن نعتمد عليه؛ وأمّا بقيّة الناس، فيتفاوتون فيما بينهم من حيث الخصائص والظروف.
ومن هنا، فإنّ أهل التوحيد لا يتنازلون أبدًا في سلوكهم وأفعالهم عن التوحيد، ولا يتنزّلون بتاتًا عنه؛ فالكلام عن مظاهر الحقّ تعالى؛ نظير الملائكة والجنّ والقوى الملكوتيّة وغير الملكوتيّة لا يُحقّق أيّة فائدة في تكامل الإنسان؛ كأن نبحث مثلاً عن العلم الذي يملكه جبرائيل؛ إذ ما هي علاقتي أنا بذلك؟! أو نتحدّث عن القدرة التي يتوفّر عليها ميكائيل؛ إذ ما هي الثمرة التي سأجنيها من ذلك؟! أجل، لا إشكال في أن نعلم بأنّ الله تعالى له جنود ملكوتيّون ومجرّدون، وأنّهم يُدبّرون الأمر والعالم بسيطرة وإشراف ولاية الإمام ونفسه؛ لكن، بهذا المقدار فقط؛ غير أنّ محلّ بحثنا هنا هو: إذا كان حال العارف وظروفه لا تسمح له بالأنس، سوى بالذات الإلهيّة، وكان لا يستطيع التقرّب، إلاّ بالنفس الملكوتيّة والولائيّة للإمام عليه السلام، ولا يلتذّ روحيًّا، إلاّ عن طريق نفس الإمام، فكيف سيتسنّى له الحديث عن بقيّة مراتب التعيّنات والظهورات والتجلّيات التي تكون أدنى من الولاية؟! لن يتحمّل حالُه ذلك أبدًا! وعلى سبيل المثال، انظروا إلى المستوى الذي بلغتموه أنتم من حيث المدركات والمشاعر والظروف والعلوم والإدراكات؛ فإذا كان نشاطكم وفكركم وكلامكم ينصبّ على نوع خاصّ من الكتب والمسائل، وكنتم تعيشون هكذا ظروف، أ لن تشعروا بالضجر حينما يتحدّث معكم طفل يدرس في السنة الأولى؟! فما إن يتحدّث معكم بكلمة واحدة، حتّى تقولوا له: قم يا عزيزي، واذهب للعب مع صديقك هناك! أو طالع الكتاب الفلاني! أو قم بالعمل الكذائي!
معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ
ولا يخفى أنّ هذه الحالة كانت شديدة في السيّد الحدّاد؛ لأنّ حاله في مسألة التوحيد ـ كما بيّنت في الجلسات السابقة ـ لم يكن يسمح بالحديث بتاتًا عن شيء مغاير لها ولحقيقة الإمام؛ فكان يعيش هكذا حال ووضع، وكان يرى أنّ الكلام عن بقيّة المسائل تضييع للوقت، وأنّه: لماذا على الإنسان أن يعمد لإتلاف وقته؟! فإذا كان من المفروض عقد جلسة ما، لماذا لا تُقضى في المسائل العالية والراقية، ويُقتصر فيها [بدلاً عن ذلك] على الحديث عن المسائل المتدنّية؟! إلى درجة أنّه قال عن معجزات الإمام عليه السلام: هل يحسُن بنا أن نُحدّد الإمام بالمعجزات؟! كأن نفرح ونُسرّ مثلاً لقيام حضرة السجّاد عليه السلام بالمعجزة الفلانية! أي: هل علينا حقًّا أن نعرف الإمام السجّاد بمعجزاته وحسب؟! فإذا جاء إلى هنا، ولم يقم أمامنا بأيّة معجزة، هل ينبغي أن ننظر إليه بنظرة أخرى؟! وهل طلب سلمان الفارسيّ أيضًا من الرسول معجزة، أم أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أتى بالمعجزة للعوامّ فقط؟
- راجع: الفقرة الأخيرة من الجلسة الثانية.
