
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثالثة
أهم محتويات المحاضرة: - العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد؛ - حقيقة ارتباط الأولياء بالإمام عليه السلام؛ - معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ؛ - رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام؛ - العارف عاشق لكلّ عالم الوجود؛ - العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة؛ - دور الشهود في إدراك حقيقة التوحيد؛ - اشتراك الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع) في الولاية على كلّ ما سوى الله تعالى؛ - اختلاف الأئمّة عليهم السلام من حيث الظاهر؛ - السعة الوجوديّة والاستمداد من الأسماء الكلّية وجه آخر لاختلاف الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع). و...
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
2بسم الله الرحمن الرحيم
العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد
سؤال: في موضع من كتاب أسرار الملكوت، أشار سماحتكم إلى أنّ «العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد ومحوريّته»،۱ ثمّ تطرّقتم إلى مسألة تتعلّق بعروج جبرائيل عليه السلام إلى عالم الوحي، واستعرضتم ذلك البحث الذي أثير في الكاظمين؛ فنرجو منكم توضيح ذلك إن أمكن.
جواب: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
لا يخفى أنّني تحدّثت بنحو عامّ في الجلسات السابقة عن هذه المسألة، خصوصًا فيما يرتبط بمجالس المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه، وأنّه كان في وضعٍ لا يسمح فيه بتاتًا لنفسه ولبقيّة الأفراد بتكريس هذه المجالس للمسائل المتلفة للوقت والعامّية وغير المفيدة. وعمومًا، فإنّ حاله كان بنحوٍ لا يُطيق معه أبدًا الحديث عن القضايا غير التوحيديّة؛ ومرادي هنا من كونها غير توحيديّة ما يشمل حتّى المسائل الولائيّة بمعناها المتعارف والعامّي، وليس بمعناها الحقيقيّ الذي تحدّثت عنه سابقًا، حيث قلت هناك: إنّ الولاية هي عين حقيقة التوحيد المنزّلة في عالم العلل والمعلولات، وعالم الأسباب، وعالم التعيّنات والتشخّصات الخارجيّة.
فالولاية عبارة عن حقيقة إرادة الله تعالى ومشيئته في مرتبة الواحديّة، حيث بوسعنا التعبير عن تنزّل مقام "هو" إلى مقام الواحديّة بالظهور في مرتبة الولاية؛ إذ لا معنى للولاية ـ إذا أريد منها الاستيلاء والظهور والبروز ـ في مقام الهوهويّة، والمتمثّل في مقام العماء والفناء والإطلاق، ومقام لا حدّ ولا رسم؛ والذي يُعبّر عنه عند أهل الفلسفة والحكمة والعرفان بالوجود البسيط وبسيط الحقيقة، حيث يكون نفس الوجود هناك قائمًا بالذات، وتكون الذات بعينها موجِبةً لحقيقة التشخّص والتعيّن، بحيث يكون هذا التشخّص والتعيّن لازمًا ذاتيًّا لها. فكما تكون الحياة لازمًا ذاتيًّا لكلّ تشخّص وتعيّن، فإنّ حقيقة الوجود تكون ـ بتجرّدها وبساطتها ونفس حضورها وشهودها ـ عين حقيقة ذات الباري تعالي، والتي هي عين التشخّص والتعيّن، حيث يُعبّر عن هذه الحقيقة بمقام الهوهويّة والأحديّة.
فلا يوجد أدنى فارق بين مقامي الأحديّة والهوهويّة؛ وإذا شاهدنا في بعض الكتب أنّه جرى اعتبار مقام الأحديّة متنزّلاً ـ بنحو ما ـ عن مقام الهوهويّة،٢ فإنّ هذه المسألة قد لا تخلو بنظر الحقير من تأمّل؛ لأنّ مقام الأحديّة هو نفس الوحدة المنتزعة من الذات من دون إضافة وصف إليها؛ وبذلك يختلف عن مقام الواحديّة؛ وهذا لا يحصل بواسطة اعتبار معتبِر، بل يكون ذاتيًّا لنفس الذات؛ وهذا نظير ما نقوله عن الحياة، حيث تكون ذاتيّة للذات من دون اعتبار معتبِر؛ أي: لا يُمكننا أن نصف الذات الإلهيّة بالتشخّص والتعيّن، ثمّ نفصل عنها الحياة، أو نفصل عنها القدرة، أو علمها بذاتها؛ أي العلم الحضوريّ للذات بنفس وجودها وذاتيّتها وهويّتها؛ ولهذا، فإنّ مقام الأحديّة هو عين مقام الهوهويّة.٣
- أسرار الملكوت، ج ٢، ص ۱۷٩ ـ ٢۷٢، الخصوصيّة الثانية.
- توحيد علمى و عينى (فارسي)، ص ۱۸٢؛ الرسائل التوحيديّة، ص ٣۰ و۱٢۰.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: افق وحى (فارسي)، ص ٤٥ ـ ٤۸.
