
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثالثة
أهم محتويات المحاضرة: - العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد؛ - حقيقة ارتباط الأولياء بالإمام عليه السلام؛ - معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ؛ - رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام؛ - العارف عاشق لكلّ عالم الوجود؛ - العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة؛ - دور الشهود في إدراك حقيقة التوحيد؛ - اشتراك الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع) في الولاية على كلّ ما سوى الله تعالى؛ - اختلاف الأئمّة عليهم السلام من حيث الظاهر؛ - السعة الوجوديّة والاستمداد من الأسماء الكلّية وجه آخر لاختلاف الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع). و...
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
12ولهذا، حينما نطالع في العديد من هذه المصنّفات روايةً من تلك الروايات، نجد أنّ المؤلّف بنفسه يُشكّك فيها، أو يقول: إنّ فيها غلوًّا، أو يقول: إنّني لا أفهمها، أو يقول: أوكل علمها إلى أهلها؛ في حين أنّ السيّد الحدّاد لا يقول: علينا أن نوكل علمها إلى أهلها، بل يقول: تعالوا اسألوني، وسأجيبكم! فكلّ من أتى عنده من أهل العرفان والفلسفة، وطرح عليه سؤالاً، لم يرجع خالي الوفاض؛ فهذه هي حقيقة الأمر!
رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام
ذات ليلة، ذهب المرحوم الحدّاد إلى منزل أحد الأصدقاء بالكاظميّة، حيث كان هناك العديد من العلماء، وكان مجلسًا حافلاً جدًّا؛ فبدؤوا بالحديث عن رواية تتعلّق بعلم جبرائيل عليه السلام، وكيفيّة نزول الوحي عن طريقه على نفس النبيّ والرسول، وكيف أنّه يستقبل هذا الوحي من مقام العظمة، ويجعله في وعائه الوجوديّ، ثمّ يغرسه في نفس الرسول، لا أنّه يُخاطبه به وحسب؛ أي: حينما يُنزّل جبرائيل الوحي على النبيّ، لا يأتي مثلاً، ويجلس، ويقول: «الله تعالى يُسلّم عليك، ويقول لك: فيما يخصّ المسألة الفلانية، عليك أن تقوم بالعمل الفلاني»، أو: «عليك أن تؤدّي الصلاة بهذا النحو، والصيام بذلك النحو»، أو: «عليك أن تُصدر الحكم بهذه الطريقة»؛ كلاّ! بل كان ينقش الحقيقة العلميّة للوحي في نفس هذا النبيّ، ويُوحّدها معها؛ وبالتالي، لم يكُن هذا الوحي يُمحى بعد ذلك أو يخرج من قلب الرسول أبدًا! ولهذا السبب، لم يكن النسيان يعرض للنبيّ؛ إذ كما يكون له علم حضوريّ بمشاعره وصفاته وغرائزه النفسيّة والباطنيّة، فإنّه يُشاهد في نفسه وبالطريقة ذاتها ـ أي بالعلم الحضوريّ وليس الحصوليّ ـ تلك الحقيقة التي جاء بها جبرائيل، بحيث لا يُمكنه نسيان ما شاهده؛۱ أ فهل بوسعي الآن نسيان وجودي؟!
ففي تلك اللحظة، بدت هذه المسألة لأولئك الأفراد عجيبة وعظيمة جدًا؛ إذ علينا أن نرى ما هي المكانة والمرتبة التي يحتلّها جبرائيل، لكي يأتي، ويُلقي تلك المعاني في قلب الرسول، مع ما له من مقام وعظمة!
لكنّ السيّد الحدّاد كان يقول: «يا عزيزي! إنّ جبرائيل أثر من آثار نفس الرسول»؛ أي أنّ تلك الحقيقة الروحيّة لرسول الله، وذلك السرّ الذي ينطوي عليه هما في مقام لا يُمكن لألف جبرائيل الاقتراب منه! لأنّ «نفس النبيّ» عبارة عن حقيقة مقام الواحديّة الذي يُمثّل بروز المشيئة المكنونة، وظهور الذات الإلهيّة البسيطة والوجود المجرّد للحقّ تعالى في مقام الهوهويّة؛ وفي ذلك الحين، هل كان جبرائيل متحقّقًا في عالم الوجود وعالم الكثرات؟ لا يوجد في مقام الواحديّة جبرائيل ولا ميكائيل.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: افق وحى (فارسي)، ص ٢۱۱؛ الشمس الساطعة، ص ٢۸۷.
