
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثالثة
أهم محتويات المحاضرة: - العارف لا يتنازل عن مقام التوحيد؛ - حقيقة ارتباط الأولياء بالإمام عليه السلام؛ - معجزات الأئمّة بين الأولياء والعوامّ؛ - رؤية العارف لظاهرة الوحي والملائكة عليهم السلام؛ - العارف عاشق لكلّ عالم الوجود؛ - العارف الحقيقيّ هو الجامع بين مقام الباطن والوحدة ومقام الظاهر والكثرة؛ - دور الشهود في إدراك حقيقة التوحيد؛ - اشتراك الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع) في الولاية على كلّ ما سوى الله تعالى؛ - اختلاف الأئمّة عليهم السلام من حيث الظاهر؛ - السعة الوجوديّة والاستمداد من الأسماء الكلّية وجه آخر لاختلاف الأئمّة عليهم السلام (والعارف بالتبع). و...
الوليّ الكامل بين الاستمداد من الحقّ والولاية على الخلق
10وحينئذ، لو أنّ النبيّ لم يشقّ القمر، ويقسمه إلى نصفين، هل كان سيُنقص ذلك شيئًا من رسالته؟! ولو أنّ تلك الشجرة، وتلك السحليّة لم تنطقا، وتشهدا له بالرسالة، هل كان سينقص منه شيءٌ؟!
لقد وقف الإمام السجّاد مع محمّد بن الحنفيّة أمام الحجر الأسود، ليتّخذاه شاهدًا على الولاية؛ فلم يُجب الحجر محمّد بن الحنفيّة، وشهد للإمام السجّاد عليه السلام بالإمامة؛۱ وفي هذه الحالة، لو أنّ الإمام لم يقم بهذا الفعل، هل كان ذلك سيُعدّ دليلاً على عدم إمامته؟! إنّ المعجزات والأمور التي كان الأئمّة يقومون بها إنّما كانوا يقومون بها من باب الاضطرار، ولأجل العوامّ، وليس لأجل الأفراد الذين يتّسمون باللياقة، وينظرون بنظرة عميقة للإمامة؛ فلو تحدّث الإمام بكلمة واحدة قلبت حالنا ومعرفتنا ووضعنا رأسًا على عقب، لكان ذلك أعلى ألف مرّة من المعجزة!
ولنفرض أنّ إمام الزمان حوّل هذا الكوب إلى ذهب، فأيّ شيء سيكون قد حصل؟! فمع أنّه تبدّل إلى ذهب حقيقة؛ لكن، ألا يستطيع غير إمام الزمان القيام بهذا العمل؟! لقد شاهدت بأمّ عينيّ أنّ شخصًا كان مشرفًا على الموت، وتوقّف قلبه عن العمل، فوضع أحدٌ يده عليه، وقرأ الفاتحة، فقام ذلك الشخص، وقعد! وهذا رأيته بعيني أنا؛ مع أنّ ذاك لم يكن إمام الزمان، ولا الرسول، بل كان إنسانًا عاديًا من الصلحاء والزهّاد والعبّاد؛ فلم يكن حتّى من أهل العرفان والتوحيد! مع أنّ أهل التوحيد لا يقومون بتاتًا بهكذا أفعال، ولا يسعون أبدًا وراء هذه المسائل!
وحينئذ، نأتي نحن، ونعقد مجالس للحديث عن الفعل الذي يتسنّى للإمام القيام به، ويعدّه الأفراد المبتدؤون في هذ الطريق أمرًا غير معتدّ به، ونقول: لقد قام الإمام عليه السلام بالمعجزة الفلانية! أو نعمد دائمًا إلى نقل معجزات الإمام الرضا في مجالسنا! بدلاً عن ذلك، تعالوا بنا لننقل روايتين تتحدّثان عن معارف الإمام الرضا، أو لنُبيّن تلك الرواية التي تكلّم فيها عليه السلام عن مسألة الولاية، لكي نفهم ما الذي قاله؛ فلنفرض أنّ الإمام الرضا قام بمعجزة في موضع ما، لكن، في نهاية المطاف، هو عليه السلام غير موجود بيننا الآن؛ أجل، يبقى أنّ الأئمّة كانوا يقومون ببعض الأفعال لأجل العوامّ؛ حتّى يكون لهؤلاء أيضًا نصيبٌ من الأمر كحدّ أقلّ؛ فكانوا عليهم السلام يُؤدّون مهمّتهم وتكليفهم طبقًا لما يرتؤونه من مصلحة؛ غير أنّ السؤال هنا هو: لأجل من كان الإمام الرضا يُظهر المعجزة؟ هل كان يقوم بذلك لأجل الأفراد الذين بوسعهم السموّ للأعلى، والارتقاء بمستوى تفكيرهم؟ أم أنّه كان يقوم به للأفراد الذين لولا ذلك، لما تمّكنوا من التفريق بينه وبين المأمون؟ فكان الإمام عليه السلام يلجأ إلى هذا العمل حتّى يُقال كحدّ أقلّ: يوجد شيء هنا لا يوجد هناك! فلأجل من كان يقوم الإمام الرضا بذلك العمل؟ ولأجل من كان الأئمّة يُؤدّون هذه الأفعال ويطرحون تلك المسائل؟ لقد كانوا يصومون ثلاثة أيّام؛ ومع شعورهم بالجوع ﴿يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾؛٢ فكانوا هم أيضًا يمرضون، ويُعانون من ألف ضيق وعُسر، لكنّهم لا يلجؤون لاستعمال المعجزة لأجل أنفسهم!
- مدارك الأحكام، ص ٤٦۱؛ إثبات الهداة، ج ٥، ص ٢۱۸؛ معرفة الإمام، ج ٣، ص ٣۱.
- سورة الإنسان، الآية ۸.
