
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
33السائل: نشكركم غاية الشكر؛ وسنسعى إن شاء الله تعالى للاستفادة أكثر من الجلسة اللاحقة، والتركيز على هذه المسألة، لكي يحظى الجميع بالفائدة العمليّة والفكريّة المرجوّة.
المجيب: إن شاء الله تعالى، ونسألكم الدعاء بأن نظلّ جميعًا ثابتين وراسخين على الطريق، وأن نتمكّن من الظفر بتلك الخيرات والبركات التي حباهم الله تعالى بها؛ وبحقّ أقول: ماذا كان بوسعنا أن نفعل من دون هؤلاء العظماء؟ فهذا عجيب جدًّا! وبمن كنّا سنتأسّى؟ بمن؟!
ففي الليلة السابقة، كنت جالسًا بعد الدرس في زاوية بالمدرسة الفيضيّة؛ لأنّ دروسي وأبحاثي تُعقد في مدرسة دار الشفاء، فخطرت على بالي فجأة بعض المسائل، حيث ألّف بعضهم كتابًا أنكر فيه حادثة القلم والقرطاس اللذين دعا بهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حين وفاته؛۱ وهذا أمر يبعث كثيرًا على الأسف؛ فكم ينبغي على الشيعيّ أن يتحسّر ويضرب على رأسه بسبب هذه السهولة في محو وتضييع أحد المستندات والأدلّة على حقّانية التشيّع! وكم يتعيّن على الإنسان أن يكون جاهلاً [حتّى يُنكر هذا الدليل]! وهذا عجيب جدًّا! مع أنّك تجده بلغ سنّ السبعين أو الثمانين! فما هي حقيقة تلك القداسة وذلك التقوى؟! فرأيت أنّ هكذا قداسة وتقوى لا ترفعان الإنسان إلى أيّة مرتبة! فترى الإنسان يُلقي دروسًا في الأخلاق، ومعروفًا بالزهد وكافّة الأمور، لكنّه يفتقر إلى الفهم، ويُعوزه إدراك الولاية والمعرفة؛ وهذا عجيب جدًّا! وتجد آخر يُنكر وجود الإمام تمامًا، وثالثًا يرفض مسألة دفع الباب على الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء؛ فما الذي تُريدونه من التشيّع؟! وما الذي تُريدونه من الأئمّة؟! وما الذي ستجنونه من هذا الكلام؟ فإذا كان أهل السنّة قالوا بأنفسهم: «إنّ عمر رفس الباب، فقطّع بنت الرسول إربًا إربًا»٢، لماذا تأتي أنت، وتُنكر هذا الأمر بعدما بلغتَ السبعين من العمر؟! ليأتي بعد ذلك علماء السنّة، ويقولوا: «أخيرًا، وبعد مرور ألف وأربعمائة سنة، اكتشف الشيعة الطريق الخاطئ الذي سلكوه، والتهم التي لفّقوها لنا!».
فمن هم الذين ينبغي علينا التأسّي بهم؟ ومن هم الذين علينا أن نجعلهم قدوةً لنا؟ ومن هم الذين علينا أن نحضر دروسهم، ونُصغي إلى كلامهم؟ فلو لم يكن لدينا هؤلاء الأولياء، ولو لم يوجد السيّد القاضي والعلاّمة الطباطبائيّ والسيّد الحدّاد والمرحوم الوالد، ولولا أنّني شاهدت هذه المسائل منهم، فبمن كنت سأقتدي؟ كنت سأكون مثل بقيّة الناس؛ وهنا، يلزمنا الانتباه للمكان الذي يجب علينا الذهاب إليه، والباب الذي يتعيّن علينا طرقه، والموضع الذي ينبغي علينا العثور فيه على الحقيقة. نرجو من العليّ القدير أن يمنّ علينا بفتح هذه المسائل، ويُوفّقنا لفهمها أيضًا.. إن شاء تعالى.
- كشكول زمان (فارسي)، ص ٢٩ ـ ٣٣.
- مطلع انوار (فارسي)، ج ۸، ص ٣۰۰، التعليقة:«تهديدُهم عليًّا بالتّحريق ثابتٌ بالتّواتر القطعيّ، وحسبُك ما ذكَره الإمامُ ابنُ قتيبة في أوائل كتاب الإمامة والسياسة، والإمام الطبريّ في موضعين من أحداث السنة الحادية عشرة من تاريخه المشهور، وابن عبد ربّه المالكيّ في حديث السقيفة من الجزء الثاني من العقد الفريد، وأبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهريّ في كتاب السّقيفة؛ كما في ص ۱٣٤ من المجلّد الأوّل من شرح النّهج الحديديّ والمسعوديّ في مروج الذّهب، نقلًا عن عروة بن الزّبير في مقام الاعتذار عن أخيه عبدالله إذ همَّ بتحريق بيوتِ بني هاشم حين تخلّفوا عن بيعتِه؛ والشّهرستانيّ نقلًا عن النظّام عند ذكر الفِرقة النظّاميّة من كتاب الملل والنّحل، وأفرَدَ أبو مخنف لأخبار السّقيفة كتابًا فيه تفصيلُ ما أجمَلناه. وناهِيك في شهرة ذلك وتواترِه قولُ شاعر النّيل، الحافظ إبراهيم في قصيدته العُمَرِيّة السّائرة الطّائرة:
و قَولةً لعليٍّ قالها عمرُ *** أكرِمْ بسامعها أعظِمْ بمُلقيها حرَّقتُ دارَك لا أُبقِي عليك بها *** إن لم تُبايع و بنتُ المصطفى فيها ما كان غيرُ أبي حفصٍ بقائلها *** أمامَ فارِس عدنانٍ وحاميها»
