
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
26تفسیر للفقرة الشريفة «یا مُمتَحَنَةُ امتحنکِ اللهُ الذي خلقکِ قبل أن یَخلُقکِ»
سؤال: في السفر الذي جاء فيه حضرة السيّد الحدّاد إلى إيران، وذهب إلى همدان، ذكر المرحوم العلاّمة في هامش كتاب الروح المجرّد حكاية تتعلّق بسؤال المرحوم التألّهي عن معنى هذه الفقرة من زيارة الصدّيقة الطاهرة: «يَا مُمْتَحَنَةُ امْتَحَنَكِ اللهُ الذي خَلَقَكِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكِ فَوَجَدَكِ لِمَا امْتَحَنَكِ صَابِرَة»؛۱ فعرض السيّد الحدّاد جوابًا مجملاً وغير مفصّل كثيرًا، ممّا بعث السرور والبهجة في نفس الشيخ التألّهي وبقيّة الحاضرين، وختم الجواب في هذا الموضع؛ فإذا أمكنكم بيان شمّة من التفسير الذي عرضه السيّد الحدّاد، سيكون ذلك جيّدًا جدًّا.
جواب: لا يخفى أنّني أشرت في الجلسة السابقة إلى أنّني لم أوفّق في ذلك الزمان لإدراك المسائل التي كان يطرحها كما يجب وينبغي، ولو أنّني لا زلت أستحضر قليلاً بعض هذه المسائل؛ لأنّني كنت أبلغ آنذاك الثانية عشرة من العمر تقريبًا؛ فباعتبار سنّي في ذلك الحين، لم أتمكّن من الاستفادة منه في ذلك السفر؛ وبالتالي، فإنّني لا أتذكّر شيئًا ممّا قاله في ذلك المجلس؛ لكنّني سأتّحدث عن هذه المسألة بحسب ما بلغه فهمي القاصر.
فقبل الخلقة العينيّة والخارجيّة للأشياء والمخلوقات في عالم الخارج، كانت كلّ الصور الخارجيّة لهذه الأشياء حاضرةً بنحو عينيّ في عالم العلم الربوبيّ، والذي هو عبارة عن علم الله تعالى العنائيّ.
ويعتقد بعض الفلاسفة أنّه: قبل خلق هذا العالم، كانت الأشياء متحقّقة في علم الله تعالى العنائيّ بصورها، وليس بوجودها الخارجيّ؛ ولهذا، فإنّ الوجود الخارجيّ يحتاج إلى حدوث الزمان؛ وعلى سبيل المثال، فإنّ الرسول الأكرم الذي وُلد قبل ألف وأربعمائة سنة تقريبًا كانت صورته منقوشة في العلم العنائيّ للحقّ تعالى، ثمّ اتّخذت هذه الصورة لنفسها ـ بعد مرور الأيّام والدهور ـ صورة عينيّة وخارجيّة في هذا الزمان الخاصّ.
لكن، يبدو أنّ المسألة أعمق وأدقّ من ذلك، حيث إنّ حقيقتنا التي هي عبارة عن وجودنا النفسيّ كانت موجودة في علم الله قبل خلقتنا الجسمانيّة والمادّية وقبل خلق بدننا العنصريّ؛ أي أنّ وجود كلّ موجود يُخلق بواسطة نفس الإرادة التكوينيّة، و "كُن" الوجوديّة للحقّ تعالى، ولو أنّه يكون محتاجًا من ناحية خارجيّة إلى مرور الزمان والأيّام والسنوات.
- الروح المجرّد، ص ۱٦٦.
