
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
25ففي هذه الحالة، لو ذهبتُ بذلك النحو إلى مكّة، ما الذي كان سيحصل؟ وأيّة ثمرة كنت سأجنيها من ذلك؟ وما هو الفارق بين هذه الطريقة من السفر، وبين السفر بواسطة الطائرة الذي يستغرق ساعتين؟! فالعرفاء يُريدون أن يسوقونا في هذا الاتّجاه.
وأمّا أهل الظاهر، فغاية سعيهم هو البحث عمّن يطوي الأرض، ومعرفة ماذا يفعله فلان، وأنّ علاّن خرج من القبر، وحدّد زمان ظهور الإمام، وأنّ آخر حصلت له مكاشفة، وقال: «سيظهر الإمام في عام كذا!»، وأنّ آخر تعلّم علمي الرمل والجفر، وقال: «ظهوره سيكون سنة ألف وأربعمائة وستّة عشر»، في حين أنّه مرّت الآن عشر سنوات على ذلك التاريخ، ولم يأتنا أيّ خبر عن ظهور الإمام! ولهذا، فإنّكم تُلاحظون أن السوق الذي تُطرح فيه هكذا مسائل مزدهر جدًّا؛ بينما يوجد في سوق عرفان السيّد الحدّاد فردان أو ثلاثة أفراد، ولا يأتي إليه أحد؛ وذلك لأنّ الناس غارقون في الإحساسات والتخيّلات، ولا يَقبلون إلاّ بالمسائل التي تكون قريبة من عالم خيالهم؛ فهذه هي المسائل التي يُقبلون عليها؛ وأمّا إذا طرح السيّد الحدّاد مسألة وحقيقة توحيديّة؛ كأن يقول: «أزل اسم تربة الصلاة عن هذه التربة، وسيكون هناك الله»، فإنّ حالة التثاؤب والنوم والكسل ستسودهم فجأة بعد مرور عشر دقائق، ويقولون: «هذا يكفي يا عزيزي، فقد استوعبنا الأمر!».
فالذين انقسموا إلى طائفتين بعد وفاة المرحوم الشيخ الأنصاريّ كانوا أمثال هؤلاء، حيث كنت بنفسي حاضرًا بينهم؛ فكانت غاية همّهم واهتمامهم أن يجتمعوا فيما بينهم، ويتحدّثوا عن بعض المسائل الولائيّة، ويُقيموا مجلسًا للعزاء والتوسّل، ويتطرّقوا لمسائل من قبيل طيّ الأرض والاطّلاع على الضمائر؛ كما كانت الأسئلة التي يطرحها البعض عادةً بهذا النحو: أيّها الحاج، متى يحين وقت وفاتنا؟
ـ إذا جاء فلان ممتطيًا حصانًا أبيضًا، وأركبك معه، وذهب، فسيحين زمان موتك!
ـ أيّها الحاج، ما هو الدواء النافع للمرض الفلاني؟
ـ تناول الدواء الفلاني.
فتجد المسائل التي يتحدّثون عنها لا تتعدّى هذه الدائرة؛ في حين أنّ السيّد الحدّاد لم يكن أهلاً لهذه الأمور! فما معنى الحصان الأبيض؟! وما معنى الحمار؟! وما معنى كلّ هذا الكلام؟! فلم يكن يُضيّع لحظة واحدة من عمره في هكذا مسائل، بل كان يعتبر الحديث عنها مضيعة للعمر ومفضيًا للبطالة؛ فلم يكن يطرحها بتاتًا، لا مع نفسه، ولا في المجالس مع تلامذته، بل كان حديثه عن التوحيد المحض وحسب؛ وبطبيعة الحال، لم يكن هؤلاء يرغبون كثيرًا في سماع مثل هذه المسائل؛ وعلاوةً على ذلك، قد تُطرح في بعض كلماته موضوعات تتجاوز مستوى استعدادهم، ولا يستطيعون تحمّلها.
