
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
21وعلى سبيل المثال، أتينا إلى كربلاء بعد رجوعنا من رحلة الحجّ التي كنت أبلغ فيها آنذاك السابعة عشرة من العمر تقريبًا؛ وفي الليلة الأولى، كنت نائمًا مع أخي الأكبر، فصحوت في منتصف الليل، لكنّني بقيت مستلقيًا في الفراش، ولم أنهض منه، فرأيت المرحوم العلاّمة والسيّد الحدّاد مستيقظين، والمصباح غير مضاء، والغرفة مظلمة، وهما يتحدّثان مع بعضهما، إلى أن حلّ أذان الصبح، حيث كانت حالهما ـ عادةً ـ في كلّ ليلة بهذا النحو؛ وقد اطّلعت على بعض المسائل من كلامهما عن أسرار الحجّ؛ ومن ضمن ذلك: موضع قبر السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، لكنّني لم أخبر أحدًا بهذا الأمر إلى الآن؛ لأنّه من الأسرار؛ ولو كان يجوز الإفصاح عنه، لأفصحوا عنه بأنفسهم، أو أثاروا بعض الإشارات بخصوصه؛ وهكذا الشأن أيضًا بالنسبة لبعض المسائل الأخرى التي كان ينبغي علينا الاطّلاع عليها، حيث كانوا يقومون بعدد من التصرّفات [لكي نطّلع عليها]؛ وأمّا بالنسبة المسائل التي لا يجب أن نعلم بها، فإنّنا كنّا نبقى غاطّين في النوم، أو كانت تحدث أوضاع أخرى [حتّى لا نعلم بها].
وعلى أيّ حال، فقد كان السيّد الحدّاد يبذل مجهودًا كبيرًا في مسألة الكتمان، حيث قال في هذا الصدد: «قمتُ خلال عمري كلّه بإفشاء سرّ ما لمرّة واحدة فقط، ولا أزال حتّى الآن أعاني من ذلك».۱
وكانت أوامر المرحوم القاضي والعظماء وبقيّة الأولياء بخصوص هذه المسألة على المنوال ذاته، غير أنّ كلماتهم ومجالسهم كانت توحيديّة؛ أي أنّ محور كلامهم كان يدور حول التوحيد؛ فقد تُلاحظون البعض يتحدّثون عن مسائل أخرى؛ كطيّ الأرض، وعلم الغيب، وظهور إمام الزمان؛ كما هو الأمر في الكثير من الأماكن، إلاّ أنّه لم يكن بتاتًا من أهل الكلام عن وقت ظهور الإمام عليه السلام.
رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته
وبوسعي القول: إنّ الذي يتحدّثون عن وقت ظهور إمام الزمان مخطؤون بنسبة مائة بالمائة، حيث عاشرت العديد من هؤلاء، وشاهدت بالعيان خلاف كلامهم؛ فتجد أولياء الله تعالى الذين لديهم اطّلاع على الحقائق الواقعة في ما قبل عالم المثال لا ينبسون ببنت شفة؛ في حين أنّ الذين يتحدّثون عن هذه المسائل لا يملكون أيّ اطّلاع؛ ولهذا، فإنّ الكلام في هذه الموضوعات مجانب للصواب تمامًا؛ وعلاوةً على ذلك، لنفرض أنّني علمت بأنّ إمام الزمان سيظهر في السنة القادمة، أو أنّه لن ظهر فيها، فما هي الفائدة التي سأجنيها من ذلك؟
- الروح المجرّد، ص ٤٤٤.
