
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
19وعليه، إذا قلت هنا: «لماذا إذن تكون يدكم بهذا النحو؟ ولماذا هي على شكل قبضة؟»، سأقول: «كلاّ؛ فلأنّك تنظر إلى القبضة، سترى يدي قبضةً؛ فارفع نظرك عن هذه القبضة، وستُشاهد اليد فقط، وأَحِد برؤيتك عن هذا الحدّ، وسترى نسبتها إليّ أنا». فإذا وضعتُ يدي هنا، هل ستدوسها بقدمك، محتجًّا بأنّها مجرّد قبضة؟! كلاّ؛ إذ مع أنّ يدي هي على شكل قبضة، لكن، بما أنّها تنسب إليّ، فلن تطأها بقدمك.
إنّ كلّ ما في عالم الوجود هو مظهر للحقّ تعالى، وعبارة عن حدود عرضت على هذا الوجود؛ فالله تعالى لم يأت بأيّ شيء من الخارج، وكلّ شيء موجود في داخله۱؛ وبالتالي، فإنّ كافّة الموجودات عبارة عن ظهورات لله، ومظاهر تجلّى بها سبحانه وتعالى.
يقول السيّد الحدّاد: ما دُمت تنظر إلى تربة الصلاة باعتبارها دائريّة ومؤلّفة من التراب ولها مجموعة من الخصائص، فإنّ اسمها سيكون هو: التربة، حيث يتعيّن علينا أن نُقبّل تربة سيّد الشهداء، ونسجد عليها، ونمسح بها أعيننا، ونرفعها من الأرض إذا رأيناها ملقاة عليها، ونُكنّ لها الاحترام، ونراعي الأمور والخصائص التي وردت في الفقه بخصوص هذه الأشياء المطهّرة والمقدّسة؛ لكن، ما إن ترفع النظرة الماهويّة عن هذه التربة، حتّى تُصبح وجودًا، فلا يعود هناك أيّ فارق بينها، وبين تلك؛ والوجود هو الله تعالى؛ فهذا بعينه هو نفس الأمر الذي تحدّث عنه المرحوم الحدّاد هناك.
معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد
لكن، هل من السهولة بمكان إدراك الإنسان لهذه المسألة أم لا؟ إنّ الجمَل ليلجُ في سَمّ الخياط قبل أن يتمكّن الإنسان من التوصّل إليها؛ فعليه أن يُقاسي الويلات، ويخوض في الرياضات، ويخضع للبرامج، ويمتثل للدساتير، ويُعرض عن الدنيا، ويتخطّى النفس والنفسانيّات، ويمتلك الهمّة العالية والإرادة الراسخة، ويُنفذّ كلّ ما أُمر به، إلى أن تتحقّق هذه المسألة تدريجيًّا في نفسه بنحو عينيّ؛ ومن هنا، فإنّ مراد السيّد الحدّاد من قوله: «إنّ هذه المسألة لا تحصل للإنسان بكلّ سهولة» هو حقيقتها العينيّة؛ ومع أنّه رضوان الله تعالى عليه كان يقول: «أزل اسم التُربة عن هذه، وسيكون هو [الله]»، إلاّ أنّه لم يصل إلى هذا المقام بكلّ يُسر.
- أي أنّ الموجودات فانية ومندكّة في الله ؛ وهو تعالى محيط بها إحاطة وجوديّة لا مكانيّة. المعرّب.
