
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
18فمسألة الوجود وقوالبه تتمثّل في أنّ: جميع هذه القوالب عبارة عن حصص لحقيقة واحدة اسمها الوجود، وأصلها هي ذات الحقّ تعالى؛ سواء كانت هذه القوالب قوالب للمجرّدات أو المادّيات؛ لأنّ المجرّدات تتوفّر بدورها على ماهيات، ولو أنّ ماهياتها عبارة عن نفس اشتدادها وضعفها الوجوديّين، لا أنّ لها قوالب زمانيّة ومكانيّة؛ إذ للزمان والمكان دور في التحقّق العينيّ والخارجيّ للمادّيات [وحسب].
فمقام الأحديّة هو مقام الهوهويّة بعينه؛ وأمّا ما ورد في بعض الكتب من الفصل بين هذه المقامين، فهو مجانب للصواب؛ لأنّ مقام الهوهويّة هو مقام العماء، ومقام "لا اسم ولا رسم"، ومقام اللاحدّ، ومقام الإطلاق الذي لا يُمكن الإشارة إليه بأيّة إشارة؛ لأنّ كلّ إشارة تستدعي وجود مشار إليه، ممّا يوجب تحديد ذلك المقام؛ أي مقام الهوهويّة الذي هو عبارة عن مقام الذات الإلهيّة الصرفة والبسيطة، ويُعبّر عنه في اصطلاح الفلاسفة ببسيط الحقيقة والفيض الأقدس، ومقام اللفّ، وليس الفيض المقدّس الذي يُمثّل مقام النشر، حيث يعتقد الفلاسفة بالتجرّد الحقيقيّ للوجود، كما يرون أنّ كلّ شيء اتّخذ في العالم صورة عينيّة هو عبارة عن حقيقة منزّلة للوجود بعينه، لا شيء آخر. فلكي يخلق الله تعالى الوجودات الخارجيّة للإنسان والحيوان والملائكة و...، لم يحتج إلى أن يضع يده في كيس خارج عنه،۱ بل إنّ نفس وجوده الذي تكون الوحدة لازمة لذاته في مقام الأحديّة ـ لكن ليس بمعنى أنّها وصف عارض عليه ـ ، ونفس هذه الحقيقة الواحدة تصير مَلَكًا وإنسانًا و... حينما تصل إلى مرحلة الظهور.
سأضرب لكم مثالاً على هذه المسألة التي أشار إليها السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه: انظر الآن إلى يدي؛ فما هي حقيقة هذه اليد؟ إنّها عبارة عن لحم وجلد وعظم؛ لكن، هل بوسعكم أن تُبيّنوا لي شكل هذه الحقيقة؟ لا يُمكنكم ذلك! ستقولون: «ليدكم شكل مستقيم، وأصابعها ملتصقة ببعضها»، غير أنّ ذلك لا يُمثّل يدي، بل هو مجرّد حدّ عرضيّ يعرض اليد، فترونها بهذا الشكل؛ وفي هذه الحالة، إذا أغلقت يدي، ستبقى هذا اليد يدًا، وكذلك الشأن إن فتحتها؛ إذ لن ينضاف إليها أيّ شيء من خارجها. فإذا كان وزن يدي يبلغ ثلاثمائة جرامًا مثلاً، هل من الممكن أن يصير وزنها نصف كيلو حينما أُغلقها، ومائتي جرامًا حينما أفتحها؟! كلاّ! لن ينضاف إلى وزنها، ولو جرام واحد؛ أجل، قد يتبدّل لونها جرّاء بعض التغييرات والتحوّلات؛ لكن، يبقى أنّ اللون أيضًا من الأعراض؛ ومن هنا، إن رفعت يدي للأعلى، ستظلّ هذه اليد يدًا؛ وإن خفضتها إلى الأسفل، ستظلّ أيضًا يدًا؛ وإن حرّكتها بأيّة طريقة، ستبقى يدًا.
- عبارة مجازيّة يعني بها المصنّف أنّ الله تعالى لم يخلق الموجودات من شيء خارج وجوده. المعرّب.
