
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
17ويُمكنكم أن تُلاحظوا وجود هذه المسألة بعينها بين الأنبياء؛ إذ كانوا عليهم السلام يمتلكون مقامات مختلفة؛ فشتّان ما بين نبيّ الله إبراهيم، ونبيي الله داود وسليمان، وشتّان ما بين الذين وصلوا إلى مقام الصلاح، وبين الذين لم يصلوا إليه! فما يلزم تحقّقه في الأنبياء هو أمور ثلاثة: العصمة في مقام تلقّي الوحي، ومقام الحفظ، ومقام البيان والتبلیغ؛۱ وأمّا أن يكون الأنبياء في مرتبة واحدة من المراتب العلويّة لمقامي الملكوت واللاهوت، وأن تكون مدركاتهم في مستوى واحد، فهذا ليس بصحيح؛ لأنّهم عليهم السلام كانوا مختلفين فيما بينهم، حيث كان رسولنا الخاتم تجلّيًا للاسم الأعظم؛ بينما لم يكن بقيّة الأنبياء بهذا النحو؛ هذا، مع أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان نبيًّا، وكان بقيّة الأنبياء أيضًا من المرسلين الذين يتنزّل عليهم الوحي، ويتوفّرون على كتاب.
والمسألة ذاتها تنطبق على العرفاء بنفس الطريقة، حيث نجد اختلافًا بينهم في إدراك حقيقة التوحيد والتجرّد، وكيفيّته.
بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود
فحينما قال المرحوم الحدّاد في حرم السيّدة زينب عليها السلام المطهّر: «أزل اسم التربة عن هذه التربة، فهناك التوحيد»، فإنّه إشارة إلى قاعدة «بسيطُ الحقيقةِ كُلُّ الأشياء» التي أوردها صدر المتألّهين، من دون أدنى زيادة؛ أي: عندما تتنزّل حقيقة الوجود من عالمها القدسيّ البسيط، وتظهر في قوالب مختلفة، فإنّها تتّخذ ألوانًا وأشكالاً وأنواعًا متعدّدة، سواءً في عالم المجرّدات والعقول والملائكة والنفوس، أو في عالم المادّة والاستعداد والكون والفساد، حيث تكون بأجمعها عبارة عن مراتب مختلفة للوجود الذي وقع أسيرًا للحدود الماهويّة، وجرت صياغته في ضمن قوالب؛ فإذا رفعنا هذه الحدود، سيبقى هذا الوجود في مقامه الخاصّ.
والمراد من ذلك أنّه: حينما ينصبّ نظرنا على الماهية، فإنّنا نجد اختلافًا بين هذا الشيء وذاك؛ كأن نفرض مثلاً كأسين من مادّة واحدة؛ لكن، بما أنّ لكلّ واحد منهما حدوده الخاصّة، فإنّهما يكونان منفصلين عن بعضهما، فأتمكّن من الإمساك بأحدهما بيد، والآخر بيد أخرى؛ وفي هذه الحالة، إذا وضعتُهما معًا في فرن، فذاب كلاهما، هل سيبقى لديّ كأسان؟ كلاّ! فأين ذهبت ماهيتهما؟ لقد زالت! وحينئذ، إن جئنا إلى ذلك المصنع، ووضعنا ذلك السائل في قالب مرّة أخرى؛ فما إن يدخل في القالب، حتّى يحدث الاختلاف، فيصير ذلك السائل الذي كان واحدًا اثنين وثلاثة وأربعة؛ وهكذا، إن وضعنا الجميع في فرن واحد، ستصير كلّها موجودًا واحدًا؛ وقد ذكرت هذا المثال من أجل تقريب الأمر للأذهان، وإلاّ، فإنّ مسألة الوجود أرقى من ذلك.
- معرفة الإمام، ج ۱، ص ۱٥؛ أسرار الملكوت، ج ٢، ص ٢۷٣.
