
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
16اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة
ويبقى أنّ مراتب الشهود مختلفة؛ أي: كما أنّ الإنسان يكون من ناحية فلسفيّة في مراتب مختلفة من اليقين والبرهان العلميّ في دائرة الحقائق التوحيديّة، وآثار عالم الوجود، بل الوجود بشكل عامّ ومطلق، فإنّ العرفاء أيضًا يختلفون فيما بينهم من ناحية شهوديّة. وعلى سبيل المثال، نرى أنّ المرحوم السيّد الحدّاد يُشكل على بعض أحوال محيي الدين مع كلّ المقام الذي وصل إليه، أو أنّ هناك بين تلامذة العظماء أفرادًا مختلفين من هذه الجهة؛ فمثلاً، كان للمرحوم القاضي تلامذة متعدّدون، كانوا كلّهم من الأكابر والأولياء والأخيار والصلحاء وأرباب المعرفة؛ نظير الشيخ محمّد تقي الآمليّ،۱ والمرحوم العلاّمة الطباطبائيّ وأخيه الأكبر٢ رحمة الله تعالى عليهم، والذين كانوا من النجوم الساطعة في سماء العرفان والتوحيد؛ وكذلك المرحوم السيّد حسن المسقطيّ الأصفهانيّ،٣ والمرحوم الشيخ عبّاس هاتف رضوان الله تعالى عليهما، وغيرهم كثير من الذين حظوا بتربية هذا العظيم وعنايته؛ لكن، حينما ننظر إلى أحوالهم، نراهم يتوفّرون على مقامات مختلفة.٤
كان المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه يقول: ««إنّ العلّامة الطباطبائي هو إنسانٌ لا تأتي الملائكة على ذكر اسمه بغير طهارةٍ ووضوءٍ»؛٥ هل انتبهتم؟! فهذا الكلام ليس من باب المزاح، ولا يُمكننا أن نأخذ هذه المسألة على محمل الهزل؛ لكنّه في مقام المقارنة مع السيّد الحدّاد يقول: «الحدّاد شيء آخر!»؛ ولاحظوا أنّ الذي يذكر هذا الكلام لم يكن إنسانًا عاديًا، بل كان تلميذًا علميًّا وعمليًّا للعلاّمة الطباطبائي، وفي الوقت ذاته تلميذًا للسيّد الحدّاد؛ وقد رأى أحوال الاثنين وأدركها، ولم يُشاهد النار من بعيد، بل مسّ نار التوحيد، ولمسها فيهما معًا من قريب؛ فما هي حقيقة هذا الأمر؟ وما هي العلّة في اختلاف التعبيرين؟
وعلى سبيل المثال، فإنّ العبارة التي سمعته يستخدمها في حقّ الشيخ القوجانيّ، وأوردتها في كتاب أسرار الملكوت، هي: «كان الشيخ عبّاس القوجانيّ رجلاً صادقًا»٦.. بهذا المقدار فقط، ولم أسمعه يتحدّث عن مراتبه التوحيديّة رغم جلالة قدره؛ في حين أنّه كان الوصيّ الظاهريّ للمرحوم القاضي، ورجلاً عظيمًا جدًّا، غير أنّ كلامنا هنا هو في مقام التقييم والمقارنة بين مراتب التوحيد، وتجلّيه في الأفراد، وكيفيّة هذا التجلّي.
- للاطّلاع على أحوال المرحوم الآمليّ رضوان الله عليه، راجع: الشمس الساطعة، ص ٣۱۰؛ معرفة الإمام، ج ٢، ص ۱۷٦.
- للاطّلاع على أحوال السيّد حسن إلهي أخ المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ رضوان الله عليهما، راجع: الشمس الساطعة، ص ٣٦.
- للاطّلاع على أحوال المرحوم المسقطيّ رضوان الله عليه، راجع: الروح المجرّد، ص ۱۱۱ ـ ۱۱٤؛ توحيد علمى و عينى (فارسي)، ص ٢٣۱.
- للاطّلاع على أحوال تلامذة المرحوم القاضي رضوان الله عليه، راجع: الشمس الساطعة، ص ٢۷، و ص ٣٤۷؛ مهر تابناك (فارسي)، ج ۱، ص ۸٥ ـ ۸۷.
- حريم القدس، ص ۱۱٢.
- أسرار الملكوت، ج ٢، ص ٥۰۱.
