
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
13فأويس القرنيّ لم يتمكّن من رؤية النبيّ، لكن، هل تخلّف عن القافلة؟ فكما تلاحظون، فقد جاء عند الرسول بعد مرور مدّة طويلة، غير أنّ الله تعالى قدّر الأمور، بحيث يأتي إلى المدينة من دون أن يلتقي به؛ ففعل الله تعالى يكون بهذا النحو! إذ خرج النبيّ من المدينة في نفس يوم مجيئه إليها؛ أ فهل كان النبيّ غير عالم بأنّ أويس يريد المجيء؟! كان عالمًا بذلك؛ فلماذا إذن رحل منها؟! لأنّ ذلك لم يكن في مصلحته؛ فكان عليه أن يأتي إلى المدينة، ولا يلتقي بالنبيّ، وينكسر قلبه، ويرجع؛ فيجني فائدة لم يكن ليجنيها لو أنّه رأى الرسول؛ ولهذا، فإنّه لم يلتق به صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى آخر عمره، غير أنّ نفسه كانت متحّدة بنفس النبيّ، إلى درجة أنّه حينما أصاب حجر سنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإنّ حجرًا أصاب أيضًا في اليمن أويسًا في السنّ ذاته، فكسره؛۱ فإلى هذا الحدّ كانا متّحدين! وهذا الذي نقول عنه: إنّه موحّد! فذلك الإله الموجود بالمدينة هو الإله بعينه الموجود باليمن، غاية الأمر أنّ هذا الموجود باليمن يقول له: ابق هنا، وأطع والدتك بدلاً عن رؤية النبيّ! وهذه مسألة عجيبة حقًّا!٢
فأحيانًا قد يكون لهذه الترحالات والأسفار إلى الأعتاب المقدّسة والزيارات طابع التلذّذ النفسانيّ أكثر من الطابع الولائيّ، بحيث يتعيّن على الإنسان الالتفات إلى هذه المسألة؛ وقد كان هناك أحد أصدقاء المرحوم السيّد الحدّاد يُكنّ له محبّة كبيرة جدًّا، غير أنّ أباه لم يكن راضيًا على زيارته له، أو كحدّ أقلّ أنّه كان يُريده التقليل من زيارته له؛ ومع ذلك، فإنّه كان يأتي عند السيّد الحدّاد، فيُعاتبه على ذلك بقوله: «لماذا جئت عندي، في حين أنّ أباك غير راض عن ذلك؟ لماذا أتيت؟»، فأولياء الله تعالى هم بهذا النحو؛ أي أنّه يقول له: عليك أن تبقى هناك؛ وحينئذ، ستستفيد منّي هناك كما لو كنت هنا؛ لكن، بما أنّك أتيت عندي إلى هنا، فلن تجني أيّة فائدة! فهذه المسألة كانت تحظى باهتمام الأولياء.
- تذكرة الأولياء، القسم الأوّل، ص ۱٩.
- لمزيد من الاطّلاع على أحوال أويس القرنيّ، راجع: أنوار الملكوت، ج ٢، ص ۱٣۸ ـ ۱٤۰ ؛ معرفة الإمام، ج ۱٢، ص ٣۰؛ سرّ الفتوح (فارسي)، ص ٣۷.
