
العارف وتحقّقه بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الثانية
أهم محتويات المحاضرة: - أهمّية مسألة العشرة وكيفيّة الارتباط بالناس في السير والسلوك؛ - اهتمام العرفاء البالغ بشؤون المسلمين؛ - زيارة الأئمّة عليهم السلام بين الظاهر والباطن؛ - تأثير كيفيّة النظر لحقيقة الولاية في سير الإنسان وسلوكه؛ - أهمّية الالتفات إلى البعدين العقليّ والشهوديّ في مسألة وحدة الوجود؛ - اختلاف العظماء من ناحية المراتب التوحيديّة الشهوديّة؛ - بيان لحقيقة التوحيد وكيفيّة تنزّل وجود الباري تعالي في مراتب عالم الوجود؛ - معاناة الأولياء للوصول إلى حقيقة التوحيد؛ - رؤية العارف لظهور إمام الزمان عليه السلام وغيبته؛ - علّة عدم اعتناء الأولياء بخوارق العادات والأمور غير المتعارفة. و...
العارف وتحقّقه بالتوحيد
12لقد قال السيّد الحدّاد لذلك الرجل:
بدلاً عن كلّ هذه الأسفار إلى هذا المكان وذاك، أحضر [الله تعالى] إلى هنا! فلماذا تلجأ للانتقال دائمًا من هذا الموضع إلى ذاك، وتُلهي نفسك بذلك؟!۱
وحينئذ، سنجد الإنسان في هذه الأسفار ينظر إلى هذا المتجر وذاك، وتقع عيناه على أناس متعدّدين؛ وحينما يرجع إلى بلده، لن يكون حصل على فائدة كبيرة.
وتحضرني هنا قصّة عجيبة عن جدّي من أمّي رحمة الله تعالى عليه، فقد كان رجلاً صالحًا جدًّا، وهو الرجل بعينه الذي أشرتم إليه في ضمن حديثكم عن المرحوم السيّد الحدّاد، وكان من الصلحاء والعبّاد والعلماء، وكان زاهدًا ومنزّهًا كثيرًا عن الهوى، حيث أحفظ عنه العديد من الحكايات، وكان بحقّ رجلاً فاضلاً جدًّا، كما كان يُكنّ مودّة ومحبّة كبيرتين للسيّد الحدّاد. فقد ذهب في أحد أسفاره إلى الحجّ برفقة أقربائه وأقربائنا، ممتطين سيّارة شخصيّة؛ ويبدو أنّهم استقلّوا سيّارتين أو ثلاثة؛ فتعرّضت سيّارتهم لحادثة سير، وأصيب في صدره، فأحضروه إلى المدينة؛ ويبدو أنّه ظلّ مدّة معيّنة في أحد مستشفياتها، ولم يُوفّق لأداء الحجّ، ورجع. حينما عاد إلى إيران، ذهبت برفقة المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه لزيارته؛ فهو لم يتمكّن من أداء الحجّ؛ أو هكذا يبدو لي، لأنّ وضعه لم يكن مناسبًا لأداء الحجّ، إلاّ أنّني لا أعلم بنحو دقيق بتفاصيل المسألة، وهل استطاع القيام بالحجّ، أم أنّه استناب شخصًا آخر؛ غير أنّه كان واضحًا أنّ حاله لا يُساعد بتاتًا على أدائه؛ لأنّه كان يُعاني من المرض وبعض الكسور؛ لكن، مع ذلك، فقد كانت تبدو عليه حالة من الانكسار العجيبة والجذّابة، وتظهر منه حالة من التوجّه؛ وأذكر أنّه حينما رجعنا إلى المنزل، قال المرحوم العلاّمة لوالدتي:
لو أنّ الحاج السيّد معين سافر إلى الحجّ عشر مرّات، لما جنى مقدار الفائدة التي حصّلها في هذا السفر.٢
هل انتبهتم؟! فهذه الحادثة التي حصلت له، وساهمت في حصوله على نوع من التوجّه، ولطافة الروح، وتجرّد إجماليّ، لو أنّه ذهب إلى الحجّ عشر مرّات، لما تمكّن من الحصول على نفس تلك الفائدة التي اكتسبها منها؛ لأنّ الأمر لا يتمّ فقط بواسطة الحجّ، بل المهمّ هو أن يعلم الإنسان بالعمل الذي ينبغي عليه القيام به، وأن يكون في مقام التسليم، لكي يُحقّق رضا الله تعالى.
- الروح المجرّد، ص ٦٦٢.
- أسرار الملكوت، ج ٢، ص ٣۱٣.
