
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الأولى
أهم محتويات المحاضرة: - الكلام عن الأولياء غير مقدور لكلّ واحد؛ - علّة تأكيد الأولياء على بلوغ السالك مرتبة الاجتهاد الفقهيّ؛ - مميّزات واقعة عاشوراء عن بقيّة الوقائع التاريخيّة؛ - مقام الإمامة مختصّ بالإمام عليه السلام؛ - حقيقة الولاية في الرؤية العرفانيّة؛ - الولاية وعلاقتها بالتوحيد؛ - نظرة العارف لواقعة عاشوراء؛ - مجالس العزاء عند الأولياء وعند غيرهم؛ - قصّة الفتح الذي حصل للسيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه؛ - تفسير لحالات الفناء التي كانت تحصل للسيّد الحدّاد. و...
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
37وهكذا أيضًا حينما ننظر إلى طفل ذي عشر سنوات، فإنّنا نجد إدراكه لهذه المسألة متدنٍّ جدًّا؛ وذلك لأنّ تعلّقاته أضعف بكثير؛ أو العكس، أي أنّ تعلّقاته تكون ضعيفة، لأنّ إدراكه متدنٍّ. وبنفس النحو، سرِّ هذه المسألة وتنزّل بها إلى طفل رضيع له خمسة أو ستّة أو عشرة أشهر، وليس له أيّ تعلّق سوى بأمّه والحليب الذي يرضعه منها، سوف ترى أنّه لا يملك نفسًا ولا تعلّقًا ولا أمورًا نفسانيّة، بل هو مجرّد كتلة من النور والصفاء والروحانيّة؛ وبالمناسبة، لدينا رواية تُشير إلى ضرورة اتّصاف الإنسان بهذه الخصال والخصائص التي يتوفّر عليها الصبيان؛۱ وأحدها: عدم التعلّق.
يقول المرحوم السيّد الحدّاد:
أحيانًا، حينما أنظر إلى الطفل الذي وُلد قبل عدّة أيّام، أرى بأنّه يمتلك في نفسه حالة وجوديّة ضئيلة، وبمقدار رأس إبرة (بمقدار أنّه يبحث عن أمّه من أجل الارتزاق والرضاعة)؛ لكن، عندما أنظر إلى نفسي، أرى أنّني لا أملك حتّى هذا المقدار!
وهذا عجيب جدًّا! فالطفل ذي الأيّام المعدودة له تعلّق بمقدار ميلمتر وسنتمتر واحد، وهذا خارج عن دائرة التصوّر تمامًا! ومع ذلك، نجد السيّد الحدّاد يقول: لا أجد فيّ مثل هذا التعلّق! أي أنّه عبارة عن واقعيّة لا يمثُل أمامنا منها إلاّ جسمٌ وحسب؛ وأمّا حقيقة هذه الواقعيّة، فهي عبارة عن وجود مجرّد جاء إلى هذا العالم من دون أن يملك أيّ نفس أو تعلّق؛ وهذا هو معنى: مظهريّة «لا هو إلاّ هو».
ولا يخفى أنّني بيّنت هذه المسألة باختصار كبير وعلى نحو التمثيل، وأنّها عبارة عن: الوجود المتنزّل للذات الإلهيّة، والخالي عن جميع أنواع التعلّقات والتعيّنات التي يتوفّر عليها بقيّة الناس، ولو تمكّنوا من الوصول إلى مراتب عالية جدًّا، وتخلّوا عن أنفسهم، وبلغوا مقامات التوحيد؛ لأنّ هذا النوع من الوجود هو بنحوٍ، وكأنّه لم ينزل بتاتًا من ذلك العالم إلى هذه الدنيا؛ فهو الآن هنا من دون اختياره، وهو الآن يعيش هذه الأوضاع من دون إرادته.
فمقام «لا هو إلاّ هو» إشارة إلى ذلك المقام الخالي من التعيّن والحدّ والقيد؛ ويُراد منه تلك الذات والحقيقة التي تنزّلت من هناك، ووضعت أقدامها هنا من دون أن تتورّط بما يجري من حولها، أو تقع أسيرة للتعلّقات، ولو بمقدار رأس إبرة؛٢ وحينئذ، نجده في مثل هذه الحالة والوضعيّة لا يتأمّل أو يُفكرّ في الكلام الذي يقوله.
- المواعظ العدديّة، ص ٣٤۰؛ ولمزيد من الاطّلاع، راجع: الروح المجرّد، ص ٥٩٦.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الله، ج ۱، ص ۱۰٣؛ الشمس الساطعة، ص ٢٢٦ و ٢٤۷؛ أسرار الملكوت، ج ٢، ۱٤٦.
