
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الأولى
أهم محتويات المحاضرة: - الكلام عن الأولياء غير مقدور لكلّ واحد؛ - علّة تأكيد الأولياء على بلوغ السالك مرتبة الاجتهاد الفقهيّ؛ - مميّزات واقعة عاشوراء عن بقيّة الوقائع التاريخيّة؛ - مقام الإمامة مختصّ بالإمام عليه السلام؛ - حقيقة الولاية في الرؤية العرفانيّة؛ - الولاية وعلاقتها بالتوحيد؛ - نظرة العارف لواقعة عاشوراء؛ - مجالس العزاء عند الأولياء وعند غيرهم؛ - قصّة الفتح الذي حصل للسيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه؛ - تفسير لحالات الفناء التي كانت تحصل للسيّد الحدّاد. و...
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
27ولا يخفى أنّ ذلك لا يسلب الاختيار عن الأعداء؛ لأنّ مسألة اختيار المعاندين والكفّار ومعارضي الولاية محفوظة في مكانها، لكنّ كلامنا يدور هنا حول: بيد من يوجد رأس الخيط؟ فكما ذكرت لكم سابقًا، لا معنى لأن يفعل الإمام عليه السلام كلّ شيء بواسطة الولاية، لكنّه يتنحّى جانبًا في واقعة عاشوراء؛ فهذه الواقعة غير منفصلة عن الولاية، كما أنّها شهدت بدورها أيضًا خلق مجموعة من الحوادث؛ وبالتالي، فإنّ كافّة ضربات السيوف، وجميع تلك الأحداث التي وقعت آنذاك وبعد ذلك، كانت بواسطة الإمام، حيث نجد اهتمام العرفاء منصبًّا على هذه المسألة.
فبينما نلتفت نحن إلى أنّ الإمام عليه السلام ضُرب السيف والرمح، وسقط من الفرس، وأصيب بسهم مثلّث، نجد أنّ العارف ينظر إلى تلك الحقيقة التي بواسطتها يُوجد الإمام عليه السلام كافّة هذه الأحداث والأفعال؛ وحينئذ، ينتابه البكاء؛ وهو بكاء يختلف كثيرًا عن بكائنا العاطفيّ۱؛ لأنّ الدموع التي تنهمل من عينيه مصدرها الشوق، وليس الوقوع تحت تأثير الإحساسات.
مجالس العزاء عند الأولياء وعند غيرهم
ففي المجالس التي لا ينتاب فيها الناسَ البكاءُ، نجد قارئ العزاء يسعى بكلّ طريقة وإلى حدّ الموت لإبكائهم! فإذا لم يبك الناس، فلا يهمّ.. دعهم وشأنهم، واتركهم يذهبون لحال سبيلهم! فنراه يقوم بذلك كلّه لكي تزداد حرارة مجلسه، فيقول: كلّ من يُحبّ الإمام الحسين أكثر، فليضرب على رأسه أكثر! لا يا عزيزي، فلن يظفر أحد بولايته عن طريق الضرب على الرأس وشجّه، وإسالة الدماء، بل إنّ ولايته تحصل بواسطة مقدار من العقل والفهم. ففي يوم عاشوراء، نرى الجميع يضربون على رؤوسهم، وقد وُفّقت لزيارة العتبات في يوم الأربعين، فجاء العديد من الزوّار، وبدؤوا في التطبير، كما أتى الكثير من الإيرانيّين، وقاموا بالتطبير في النهار؛ لكن، عندما حلّ الليل، رأيتهم في الحرم يتبادلون الكلام الفاحش! أ فهل لأنّهم طبّروا، وظهرت الجروح على رؤوسهم، فقد انتهى الأمر؟! إنّ هذا النوع من التعامل هو تعامل إحساسيّ.
لقد أوقع الإمام الحسين نفسه في هذه المصائب، لكي يزيد من فهمنا؛ وهذا بعينه ما قاله المرحوم العلاّمة للحاج هادي الأبهريّ؛ فقد كان المرحوم الأبهريّ رحمة الله تعالى عليه يبكي كثيرًا على سيّد الشهداء، بحيث كان ينتابه البكاء عدّة ساعات في اليوم طيلة اثنتي عشرة سنة؛ كما أنّه كان أمّيًا، وكان ذكره الدائم: سيّدي حسين! سيّدتي زينب! فكان يُردّد هذا الذكر بحالة من الابتهال والبكاء؛ وبما أنّه كان من أهل الصدق والصفاء، فقد كانت تحصل له بعض الأحوال والمكاشفات؛٢ وإذا أراد أحد العلماء الذين يزورونه أن يبدؤوا أمامه بالتلاعب، فإنّه كان يعرض أمامه جميع ما يدور في نفسه؛ فقد كان بهذا النحو، ولم يكن يمزح مع أيّ أحد! وقد حضرت عددًا من المجالس التي كان يأتي إليها البعض، ويقول له بالتركيّة ـ لأنّه كان تركيًّا ـ : «أيّها الحاج، إنّنا نخلص لك المودّة كثيرًا»، فكان يردّ عليهم بالقول: «إنّك تكذب كثيرًا! هل تتذكّر الكلام الذي ذكرته في غيبتي بالمجلس الذي عُقد في الليلة الفلانيّة؟!»؛ هذا، مع أنّه لم يكن أيّ أحد مطّلعًا على ما قاله؛ أو يقول: «هل تذكر التصوّر الذي خطر قبل البارحة ببالك عن فلان في الشارع؟ ومع ذلك تأتي، وتقول: إنّي أخلص لك المودّة كثيرًا!»؛ وخلاصة القول، لم يكن أحد يجرأ على الهزل معه، فقد كان صريحًا جدًّا، ولا يلجأ للمواربة.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: الروح المجرّد، ص ٥٤۷؛ أسرار الملكوت، ج ٢، ص ۱٩٥ ـ ۱٩۸.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: أسرار الملكوت، ج ٢، ص ٢۰٤ ـ ٢۰٦.
