
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
نفحات الأنس - الإنسان الكامل في الفكر الشيعيّ - الجلسة الأولى
أهم محتويات المحاضرة: - الكلام عن الأولياء غير مقدور لكلّ واحد؛ - علّة تأكيد الأولياء على بلوغ السالك مرتبة الاجتهاد الفقهيّ؛ - مميّزات واقعة عاشوراء عن بقيّة الوقائع التاريخيّة؛ - مقام الإمامة مختصّ بالإمام عليه السلام؛ - حقيقة الولاية في الرؤية العرفانيّة؛ - الولاية وعلاقتها بالتوحيد؛ - نظرة العارف لواقعة عاشوراء؛ - مجالس العزاء عند الأولياء وعند غيرهم؛ - قصّة الفتح الذي حصل للسيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه؛ - تفسير لحالات الفناء التي كانت تحصل للسيّد الحدّاد. و...
حقيقة الولاية وعلاقتها بالتوحيد
20أمّا بالنسبة للإمام عليه السلام، فالأمر ليس بهذا النحو؛ فالحقيقة التي نعيشها الآن... ولنأخذ كمثال على ذلك نفس مجيئكم إلى قمّ، واللقاء الذي عُقد بيننا، والوضع الذي تُشاهدونه الآن؛ فهل هذا الوضع مجرّد صورة فوتوغرافيّة، أم أنّه عبارة عن واقعيّة خارجيّة؟ فالصورة الفوتوغرافيّة تتمثّل في الصورة التي يلتقطها الجهاز لنا وللمسائل التي تدور بيننا، وأمّا الواقعيّة والحقيقة الموجودة الآن، فلا تكون صورة. إنّ هذه الحقيقة موجودة في نفس الإمام، وليس أنّه عليه السلام مطّلع على صورتها فقط؛ فمقام الإمام عليه السلام ـ الذي يطّلع على أعمالنا ـ هو ما تتحدّثه عنه الآية الشريفة: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾؛۱ لأنّ أحصيناه تعني جمعناه، لا صوّرناه، أو التقطنا له صورة، أو سجّلنا عنه فيلمًا، بل بمعنى: أخرجناه من حالة التفرّق والتشتّت، وجمعناه في محلّ واحد هناك حيث الولاية ونفس الإمام.٢
وعليه، فإنّ الولاية عبارة عن: إيجاد الوجود الأوّل والثاني للإنسان وعوارضه المترتّبة عليه في عالم الوجود؛ أي أنّ وجودنا بعينه يتحقّق في الخارج بواسطة إرادة الإمام عليه السلام؛ كما أنّ العلوم التي نكتسبها تظهر في أذهاننا بواسطته هو، والفضائل التي ننالها إنّما ننالها ببركة إرادته؛ فما لم يُرد الإمام تحقّق أمر، فلن يتحقّق؛ وما لم يشأ هو، فلن أتمكّن من الحديث الآن؛ وما لم يُرد هو، فلن يتسنّى لي النظر إليكم.
إنّ آية ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ التي تتحدّث عن الذات الإلهيّة، [وقربها] من الموجودات بواسطة إحاطتها العلّية بها، تصدق بعينها ـ ومن دون أدنى اختلاف ولو بمقدار شعرة واحدة ـ على إمام الزمان عليه السلام؛ أي: ليس فقط أنّ الإمام سلام الله عليه موجود إلى جانبنا، بل إنّه أقرب منّا إلينا، وإلى مشاعرنا وأفكارنا؛ مع أنّ ذلك ليس في عرض ولاية الله تعالى، وإلاّ، لكان كفرًا وشركًا؛ ومن هنا، فإنّ الإمام بحدّ ذاته فانٍ بصورة ظاهريّة أيضًا في الولاية؛ فكلاهما يُمثّلان ولاية واحدة؛ لكن، بما أنّ هذه الولاية تحتاج من ناحية ظاهريّة إلى قالب ومظهر، فإنّها تتجلّى في نفس الإمام عليه السلام.٣
وعليه، فإنّ ما نراه من الإمام هو ظاهره الذي ينظر إلينا، ويتحدّث معنا، ويمزح معنا، ويتناول الطعام معنا؛ وأمّا ما يوجد في باطنه وحقيقته، فلا اطّلاع لنا عليه؛ ولهذا، ذكرت أنّ الإمام عليه السلام يختلف عن غيره، حيث من الممكن أن يُخبر أحدهم عن الغيب، ويقوم ببعض الأفعال [الغريبة]، إلاّ أنّ جميع ذلك يجري بإرادة الإمام؛ فتجد المرتاض الهنديّ الذي يتمكّن من أداء بعض الأعمال يظنّ أنّه هو الذي يُؤدّيها، في حين أنّ إرادة إمام الزمان عليه السلام هي التي تُمكّن المرتاض الكافر والمشرك من القيام بتلك الأفعال غير المتعارفة؛ كما أنّ عمل الخير الذي يُؤدّيه المؤمن هو بإرادته عليه السلام؛ وكذلك الشأن بالنسبة للصلاة التي تُقيمونها، والصيام الذي تُؤدّونه؛ فلو لم يشأ إمام الزمان، لما صلّيتم، ونمتم، وصمتم؛ وما لم يأذن عليه السلام بصدور أمر، لما امتلك أحد القدرة عليه، ولو بمقدار جناح بعوضة.
- سورة يس، الآية ۱٢.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: البرهان في تفسير القرآن، ج ٤، ص ٥٦۸؛ معرفة الإمام، ج ۱، ص ٢۸٤؛ معرفة المعاد، ج ۷، ص ٢۰ و٢٥؛ كتاب عنوان البصري (فارسي)، ج ۱، ص ۱۰٦ ـ ۱۰٩.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ٥، ص ۱۰٩ ـ ۱۱٣.
