
أهميّة طهارة القلب ودوام ذكر الله والعزلة في السير والسلوك
تفسير فقراتٍ من الحديث القدسي: يا عيسى! (1)
أهم محتويات المحاضرة: - معنى ذكر الله؛ - إنّ الصلاة هي أعلى ذكر، وأفضل وسيلة للتقرّب إلى الله هي؛ - علّة فضيلة الصلاة على باقي العبادات؛ - عدم سقوط حكم الصلاة في أيّ ظرفٍ من الظروف؛ - نقد القائلين بانحصار العبادة في خدمة الخلق؛ - القرب من الله ورفع الحجب بواسطة دوام الذكر وذكر الله؛ - اختلاف طريقة الدعاء وذكر الله بين عرفات وبين المشعر الحرام؛ - التلازم بين ذكر الله وبين محبّة الله؛ - بناء جميع أوامر الدين على أساس المحبّة؛ - الوصول إلى أعلى درجات الإيمان بسبب شدّة المحبّة لله؛ - تأثير العزلة في تحصيل حضور القلب؛ - المداومة على الأذكار والتوجّه إلى الله.
أهميّة طهارة القلب ودوام ذكر الله والعزلة في السير والسلوك
8التلازم بين ذكر الله وبين محبّة الله
رسول الله حقيقة الذكر! أصلًا أحد أسماء النبيّ هو ذِكرُ الله؛ يعني: هو تجسيدٌ للذكر. مثل: «زيدٌ عدلٌ»، حيث معنى ذلك أنَّ زيد عادلٌ جدًا إلى درجة أنّنا لا يجب أن نقول عنه: عادل؛ لأنَّ زيد أصبح هو العدل وتجسيدٌ للعدل! وكذلك رسول الله هو تجسيدٌ للذكر ولا عمل له إلّا ذكر الله، إنّ الذكر يُقرّب جلوات الله ويجلسها في القلب لأنّه:
«مَن أحبَّ شيئًا أحبَّ ذكرَه، ومَن أبغضَ شيئًا أبغَضَ ذكرَه»۱،
وهذه وصيّةٌ من وصايا أمير المؤمنين عليه السّلام، وهي أمرٌ بديهيٌّ ووجدانيٌّ. فأنت عندما تحبّ شخصًا، وتحبّ أن تجلس مع رفيقك وأن تتكلّم عنه دومًا أنّه هكذا وهكذا، وأن تذكر مزاياه؛ أو عندما تجلس بمفردك، فإنّ المحبوب يخطر في ذهنك بدون اختيارٍ منك، أيّاً كان هذا المحبوب فليكن؛ فإذا كنتَ تحبّ المال فسيخطر المال في ذهنك، وإذا كنتَ تحبّ العلم فسيخطر العلم في ذهنك، وإذا كنتَ تحب العبادة فستخطر في ذهنك، إذا كنتَ تحب الله فسيخطر الله في ذهنك؛ فلكلّ شخصٍ محبوبٌ. وكذلك عندما يكره شخصٌ شيئًا، فإنّه ينزعج من ذكره ولا يريده أن يمرّ على لسانه أو فكره، وكلّما خطر على باله يتأثّر ويبعده. فالذي قتل ابنًا لأم، فتلك الأمّ لا تريد أن تخطر صورة القاتل على ذهنها، وإذا ذكرَ أحدٌ اسمه فإنَّ بدنها يرتجف!
فمن أقرب إلى الإنسان من الله؟! إنّ قُرب جميع القريبين، يقع في ظلّ قرب الله، ومحبّة جميع المحبين يقع في ظلّ محبّة الله؛ لذلك يقول عزّ وجلّ: ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗا﴾؛ فلماذا يذكر الإنسان أباه وأمّه؟ فقد يكون الأبّ والأمّ قد ارتحلا عن دار الدنيا وهما تحت التراب منذ أربعين سنة أو خمسين سنة، إلّا أنَّه يستمر في القول كلّ ليلة جمعة: «اقرؤوا الفاتحة لأبي!» أو تصدّقوا؛ لأنَّه يُحبّ أباه وأمّه. والإنسان يحبّ ابنه أيضًا. وهذه المحبّة هي رشحة وشعاعٌ من محبّة الله، فهو مركز المحبّة؛ وهذه المحبة هي تجلّي لتلك المحبّة، ولو لم تتجلّى تلك المحبّة، لما ظهرت المحبة في الأب والأم. محبّة الأب والأمّ للابن، هي محبّةٌ لله. فالأمّ حينما تستيقظ في ليالي الشتاء الطويلة وتحرّم النوم على نفسها، وتُرضِع طفلها من محبّة وعشق، فمحبّتها هذه عين محبّة الله؛ ولو لم يتجلّى الله في قلبها، لكان قلبها مثل الفولاذ باردًا وجافًا وقاحلًا. لقد أصبحت تجلّياً لله فأحيتها المحبّة وحرّكتها؛ ولذلك كلّما ازدادت المحبّة عند الشخص، كان إيمانه أقوى.
- . غرر الحكم، للآمدي، ص ٥۸٣؛ نهج البلاغة (صبحي صالح)، ص ٢٢۸؛ مع اختلافٍ يسيرٍ في المصادر.
