
أهميّة طهارة القلب ودوام ذكر الله والعزلة في السير والسلوك
تفسير فقراتٍ من الحديث القدسي: يا عيسى! (1)
أهم محتويات المحاضرة: - معنى ذكر الله؛ - إنّ الصلاة هي أعلى ذكر، وأفضل وسيلة للتقرّب إلى الله هي؛ - علّة فضيلة الصلاة على باقي العبادات؛ - عدم سقوط حكم الصلاة في أيّ ظرفٍ من الظروف؛ - نقد القائلين بانحصار العبادة في خدمة الخلق؛ - القرب من الله ورفع الحجب بواسطة دوام الذكر وذكر الله؛ - اختلاف طريقة الدعاء وذكر الله بين عرفات وبين المشعر الحرام؛ - التلازم بين ذكر الله وبين محبّة الله؛ - بناء جميع أوامر الدين على أساس المحبّة؛ - الوصول إلى أعلى درجات الإيمان بسبب شدّة المحبّة لله؛ - تأثير العزلة في تحصيل حضور القلب؛ - المداومة على الأذكار والتوجّه إلى الله.
أهميّة طهارة القلب ودوام ذكر الله والعزلة في السير والسلوك
5أمّا أمير المؤمنين فهو يعلم ما هي الصلاة، وما هو الأمر المتميّز والحاكم على سائر الأفعال والأعمال. لقد سأل شخصٌ أمير المؤمنين عليه السلام في خضمّ معركة صفين مسألةً عن الصلاة، فوقف الإمام للإجابة، فقال أحد الأصحاب - وهو على ما يبدو ابن عبّاس أو شخص آخر- : ماذا تفعل يا رجل؟ وهل هذا هو الوقت المناسب لطرح هذه المسألة؟ الآن تسأل عن الصلاة؟! فقال الإمام:
مهلًا مهلًا! لماذا نحارب؟ إنّما نقاتل القوم من أجل الصلاة! فإذا لم تكن لأجل الصلاة، فنحن لا نريد أن نريق دماء النّاس، ولا نريد أن نُغِيْر على أموال الناس، ولا نريد أن نحكم رقاب النّاس، ولا شأن لنا بذلك؛ ولا نُريد شيئًا من هذه الأعمال التي نقوم بها سوى أن نجعل الناس من أهل الصلاة وهذا الشخص طرح سؤالًا عن الصلاة الآن.۱
ولذا الصلاة حاضرةٌ في خضمّ الحرب وفي أتونها.
عدم سقوط حكم الصلاة في أيّ ظرفٍ من الظروف
لدينا عنوان في الفقه يسمى: صلاة الخوف، وصلاة المطاردة، حيث يجب على الإنسان أن يُصلّي أوّل الوقت حتّى عندما تكون الحرب مضطرمة. فيأتي الإمام ويقسم الجيش قسمين، فيتقدّم القسم الأوّل ويصلّي مع الإمام وينشغل القسم الآخر بالقتال؛ لأنَّ صلاة الخوف ركعتان؛ فيصلّي الإمام ركعةً ويجلس، ويقومون ويصلون الركعة الثانية بمفردهم ويسلمون ويذهبون وينشغلون بالدفاع؛ ثم تأتي تلك المجموعة التي كانت تقاتل فتُصلّي الركعة الثانية مع الإمام.٢
لذلك نرى أنَّ جميع أحكام الإسلام تسقط عن الإنسان عند الاضطرار إلّا الصلاة. فإذا كان الإنسان لا يستطيع الجهاد، سقط عنه الجهاد؛ والحجّ واجبٌ على المستطيع، فإذا لم يكن مستطيعًا فليس واجبًا؛ ويسقط الصوم عن المسافر والمريض والعجوز والمرأة الحامل التي يُضرّ الصوم بها وبطفلها و...؛ وتسقط الزكاة والصدقات والإنفاق عن من لا يملك؛ وأمّا الصلاة فلا تسقط أبدًا! فإذا كان الإنسان لا يستطيع الصلاة من وقوف فمن جلوس، وإن كان لا يستطيع من جلوس ينام على شقه الأيمن ناحية القبلة؛ وإذا كان لا يستطيع، فينام على شقّه الأيسر بحيث يكون رأسه ناحية المشرق وقدماه ناحية المغرب وكافة مقاديم البدن ناحية القبلة؛ فإذا كان لا يستطيع، ينام على ظهره وتكون أقدامه ناحية القبلة ويصلي على الحالة التي هو عليها مستلقيًا؛ فإذا كان لا يستطيع الركوع والسجود فإنّه يشير؛ فإذا كان لا يستطيع قراءة الحمد والسورة وسبحان الله وذكر الركوع والسجود ولو بالإشارة فبمقدار ما يستطيع يقرأ الحمد ويترك قراءة السورة؛ فإذا كان لا يستطيع أن يقول ذكر الركوع، أي: «سبحان ربّيّ العظيم و بحمده» على لسانه، فلا يقوله ويشير إشارةً؛ فإذا كان لا يستطيع قراءة الحمد، قال بلسانه «الله أكبر» و يذكر مرّةً «السّلام عليكم!». فمثلًا الآن هناك شخص يغرق في البحر، أو في القطار وبينما القطار يتحرّك ونالت منه النيران، أو في السيارة والسيارة احترقت وهو يموت، فحينها إذا لم يكن قد صلّى فعليه أن يصلي وصلاته «الله أكبر؛ السلام عليكم»، ثمَّ إذا ارتحل عن الدنيا فسيكون قد رحل وهو يذكر الله. «الصّلاة لا تَسقُطُ بحالٍ؛ لأنَّ الصلاة ذكرٌ.»٣
- . الخصال، ج ۱، ص ٢؛ إرشاد القلوب، ج ٢، ص ٢۱۷؛ مع اختلافٍ يسير في المصادر.
- . راجع: الكافي، ج ٣، ص ٤٥۷ ـ ٤٥٩.
- . راجع: وسائل الشّيعة، ج ٥، ص ٤۸۱ ـ ٤۸۸؛ ج ۸، ص ٤٣٩ ـ ٤٥۰.
