
أهميّة طهارة القلب ودوام ذكر الله والعزلة في السير والسلوك
تفسير فقراتٍ من الحديث القدسي: يا عيسى! (1)
أهم محتويات المحاضرة: - معنى ذكر الله؛ - إنّ الصلاة هي أعلى ذكر، وأفضل وسيلة للتقرّب إلى الله هي؛ - علّة فضيلة الصلاة على باقي العبادات؛ - عدم سقوط حكم الصلاة في أيّ ظرفٍ من الظروف؛ - نقد القائلين بانحصار العبادة في خدمة الخلق؛ - القرب من الله ورفع الحجب بواسطة دوام الذكر وذكر الله؛ - اختلاف طريقة الدعاء وذكر الله بين عرفات وبين المشعر الحرام؛ - التلازم بين ذكر الله وبين محبّة الله؛ - بناء جميع أوامر الدين على أساس المحبّة؛ - الوصول إلى أعلى درجات الإيمان بسبب شدّة المحبّة لله؛ - تأثير العزلة في تحصيل حضور القلب؛ - المداومة على الأذكار والتوجّه إلى الله.
أهميّة طهارة القلب ودوام ذكر الله والعزلة في السير والسلوك
12وهذا هو معنى هذه الأحوال التي نقرأها عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما يتعلّق بمحبّة الله التي ملأت وجوده من رأسه إلى أخمص قدميه. ينقل أبو نعيم الأصفهاني ـ وهو من أهل السنّة المعتبرين ـ روايةً في كتابه حِلية الأولياء أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال:
«لا تَسُبّوا علیًّا فإنّه مَمسوسٌ في ذاتِ الله»۱.
وممسوس يعني: مجنون، وحصل له مسّ. قال تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمۡ طَـٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ﴾،٢ يعني: مسّهم الشيطان. والنبيّ صلّى الله عليه وآله يقول: «عليّ ممسوسٌ في ذات الله!»؛ وهذا التعبير راقٍ جدًا. هكذا هو عليّ.
يرفع الحجب دومًا، حتّى لا يبقي شيئًا منها! فعندما يزول الوجود عن هذا الطرف، يغلب الوجود في ذلك الطرف؛ وحينما يشتدّ الوجود في هذا الطرف، يقلّ في ذلك الطرف، فيلتصق الإنسان بالأرض، ويصبح بدنه ثقيلًا ومُتعبًا وكسولًا؛ فلا ذكر لله ولا حبّ لله ولا إنفاق ولا صدقة ولا صلاة وحتّى الصلاة تنبع من عدم حاجة ومن الكسل! ألا نقرأ في القرآن عن أحوال المنافقين أنّهم:
﴿وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ ﴾؛٣ وبلا طاقة.
تأثير العزلة في تحصيل حضور القلب
فعلى الإنسان أن يعمل في الخلوة؛ وحضور القلب إنّما يحصل للإنسان في الخلوة. نعم، إذا تمرّن الإنسان مدّةً طويلةً من الزمن، وانشغل في الخلوات بذكر الله، عندها تصبح لديه حالٌ بحيث لا فرق بالنسبة له بين الخلوة والجلوة. ولكن في نهاية المطاف لا بدّ من العبادة في الخلوة مدّة من الزمن؛ ولذلك لدينا في العديد من الروايات الدعوة نحو الانعزال، والتنحّي جانبًا والانشغال بالعبادة و... .٤ ولدينا في البعض الآخر من الأخبار أنّه يجب على الإنسان أن يصلّي جماعةً وأن يُؤدّي الحجّ مع الجماعة و... والمنع الشديد عن الانعزال وهذه الأمور.٥ وقد حصل لدى العلماء التزاحم والتعارض بين هذه الأخبار، فلماذا ورد في بعض الأخبار بأنّه عليك بالاعتزال [ومنع ذلك في البعض الآخر].
قال الإمام الصادق عليه السّلام:
«...لَسَرَّنِي أَنْ أَكُونَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَا أَعْرِفُ النَّاسَ وَلَا يَعْرِفُونِي حَتَّى يَأْتِيَنِي الْمَوْت».٦
كذلك:
قال له أحد الأشخاص: أَوْصِنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فقَالَ الإمَام عَلَيهِ السلَامُ: «أقِلَّ معارفَك»؛
- . حلية الأولياء، ج ۱، ص ٦۸.
- . سورة الأعراف (۷)، الآية ٢۰۱.
- . سورة النساء (٤)، الآية ۱٤٢.
- . راجع: مصباح الشريعة، ص ٩٩؛ الكافي، ج ٢، ص ٢٢٦؛ ج ۸، ص ٢٦٥؛ التحصين، لابن فهد الحلّي، ص ۷ ـ ۱٢؛ الخصال، ج ٢، ص ٢۷ و٤٣۷؛ مشكاة الأنوار، ص ٢٥۷؛ الأمالي، الشيخ المفيد، ص ٢۰٩؛ جامع الأخبار، للشعيري، ص ۱٢٣؛ عدة الداعي، ص ٢٣٤؛ عوالي اللئالي، ج ۱، ص ٣۸ و٢۸۰؛ غرر الحكم، ص ٤۷٩؛ المحاسن، ج ۱، ص ٤؛ الأمالي، للشيخ الطوسي، ص ۷؛ إرشاد القلوب، ج ۱، ص ٩٩.
- . الأصول السّتة عشر، ص ٤٦؛ المحاسن، ج ۱، ص ۸٤ و٩٤؛ الكافي، ج ۱، ص ٤۰٣؛ من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٣٩؛ تهذيب الأحكام، ج ۱، ص ٢٤۱؛ الأمالي، للشيخ الصدوق، ص ٣٣٣.
- . التحصين في صفات العارفين، ص ۷.
