
أهميّة طهارة القلب ودوام ذكر الله والعزلة في السير والسلوك
تفسير فقراتٍ من الحديث القدسي: يا عيسى! (1)
أهم محتويات المحاضرة: - معنى ذكر الله؛ - إنّ الصلاة هي أعلى ذكر، وأفضل وسيلة للتقرّب إلى الله هي؛ - علّة فضيلة الصلاة على باقي العبادات؛ - عدم سقوط حكم الصلاة في أيّ ظرفٍ من الظروف؛ - نقد القائلين بانحصار العبادة في خدمة الخلق؛ - القرب من الله ورفع الحجب بواسطة دوام الذكر وذكر الله؛ - اختلاف طريقة الدعاء وذكر الله بين عرفات وبين المشعر الحرام؛ - التلازم بين ذكر الله وبين محبّة الله؛ - بناء جميع أوامر الدين على أساس المحبّة؛ - الوصول إلى أعلى درجات الإيمان بسبب شدّة المحبّة لله؛ - تأثير العزلة في تحصيل حضور القلب؛ - المداومة على الأذكار والتوجّه إلى الله.
أهميّة طهارة القلب ودوام ذكر الله والعزلة في السير والسلوك
11قال أمير المؤمنين عليه السّلام:
«واجعَلْ قلبي بحُبّك مُتَيّمًا»۱.
يعني: املأ قلبي حبّك إلى درجة أن أصبح مجنونًا في حبّك! فعند ذلك سيزول الحجاب ولن يبقى ثقلٌ لدى المحبّ.
إنّ الحبّ إذا اشتدّ يُصبح مثل مُحرّك الطائرة الذي يُشغّلونه ويبقونه مشغلًا كي يحمى، وعندما يحمى يسمحون للطائرة بالتحليق. إذا حمت محرّكات الطائرة ترتفع الطائرة بلحظة محلّقةً في أعالي السماء؛ أمّا الطائرة التي لم يحمَ محرّكها وبقي باردًا، فهي تلتصق بالأرض ولا يمكنها أن تحلّق أصلًا. ترى أربعمئة أو خمسمئة حاجّ ومعهم جبل من الحقائب والوسائل، ويريدون أن يطيروا بالطائرة، فكيف تحلّق دفعةً واحدةً إلى السماء؟ هل تظنّون أنَّ البنزين لا يمتلك حُبّاً، وأنّ هذه البراغي والصواميل لا تمتلك حُبّاً؟! جميع ذرّات هذا العالم تمتلك حُبّاً؛ فهذا العالم هو عالم المحبّة وجميعها تحلّق بعشق، وهذه الطائرات ترتفع من خلال العشق. فالعشق ليس منحصرًا بالإنسان.
والآن إذا حضرت المحبة في مركز القلب، وأثّرت هذه الصلوات، تركت صلاة أوّل الوقت أثرًا وحرّكته قليلًا، والصلاة الثانيّة حركته قليلًا، والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة؛ مثل ذلك الوقود الذي يملؤون به الطائرة، فأنتم لا تملؤون خزّان الطائرة دفعةً واحدةً بل درجةً درجةً إلى أن يمتلئ. وكلّما امتلأ أكثر، زالت حُجبٌ أكثر من هذا الطرف؛ لأنّ التآلف من آثار المحبّة.
فمن يحبّ الآخر، يضحي من أجله، وكلّما زادت محبّته زادت تضحيته. فإنَّ الأبّ يُضحّي لابنه، فيترك النوم من أجل ابنه؛ هذه تضحية، يُضحّي بماله من أجل ابنه؛ أليست هذه تضحية؟! وفي بعض الأحيان، يُضحّي بصحّته. في بعض الأحيان يُشرف الطفل على أن يحترق فتلقي الأمّ بنفسها في النار وتحترق وتموت وتخسر روحها، ولكنّها لا تدع ابنها يموت؛ فمعنى أن تخسر الأم روحها هو أنّه: لا وجود لي مقابل حبّي لك!
ألا يصدق هذا الأمر فيما يتعلّق بمحبّة الله؟! يعني: ألا يزول هذا الوجود كلّما ازدادت محبّة الله في قلب الإنسان؟! فتلك المحبّة تصبح أشدّ وأشدّ إلى أن يزول هذا الوجود من البين، فلا يبقى من حاكمٍ في وجود هذا الشخص سوى إرادة الله ونور الله ومحبّة الله.
- . مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ۸٥۰، فقرة من دعاء كميل.
