استجابة دعاء عامة النّاس بسبب الطلب الحقيقي والاعتماد على الله
8والجواب الذي قدّمه السيّد جمال الدّين له ـ على ما نُقِل وعلى ما هو بين أيدينا، لكنّنا لا علم لنا بالواقع ـ كان كالتالي:
أصلًا جميع الأديان تخالف العلم، وهذه المسألة لا تختصّ بالإسلام! وكلّ دين أتى فقد دعا إلى التعبّد المحض وسحب البشر من طريق العقل إلى طريق الاتّباع، واستحوذ على حسّ الاكتشاف لدى العقل البشري؛ وهذا الأمر لا يختصّ بالإسلام؛ وعلّة ذلك ما يلي: لقد رأى جميع الأنبياء المرسلين لهداية البشر أنَّ فكر النّاس وعقلهم ليس بنحوٍ يُتيح لهم أن يحرّكوهم ويقودوهم من خلال العقل على الإطلاق، ثمّ يتحرّك النّاس من خلال رأي العقل بعد ذلك!
وما قاله الأنبياء: «اتبعونا، فربما تعثرون على الطريق!» لأنّهم لم يتمكّنوا من القول: هذا هو كلامنا ونحن عقلٌ كامل! ولذلك، ذكروا أن كلامهم من عند الله ونسبوه إليه؛ إلّا أنَّ هذه الأفكار هي من عند أنفسهم، ورغم أنَّ هذه الأفكار كانت من عنده أنفسهم إلّا أنّهم نسبوها إلى الله ليتقبلها النّاس! ومع ذلك فإنَّ التطور العظيم الذي فعلوه هو أنّهم صدّوا البشر عن الهمجيّة سواء كانوا مسلمين أو مسيحين وبالختام قيّدوا البشر، وهذه الخدمة هي خدمةٌ عظيمةٌ.
وأنا لا أستطيع أن أنكر أنَّ دعوة الانبياء إلى التعبّد هو أكبر إهانة للبشريّة، وأشدّ احتقارٍ صدر بحق البشريّة؛ ولكن لا مناص منها وعلى النّاس أن يصلوا إلى العقل، وهذا هو لبّ المسألة! ۱
وعندما ظهر أحمد القادياني في المغرب على أنَّه إمام الزمان، ووصل الخبر للسيّد جمال بأنّه أعلن أنَّه إمام الزمان، سأل: «ما قصّته؟»، قالوا: «إنّه يدعي أنَّه إمام الزمان!»، فقال:
إنَّه سيبقى مثل البهائيين! إذا استبدل الإنسان «الكعبة» وجعل قبلته «عكّا»٢ أو رفع القرآن ووضع «البیان» محلّه، فكأنه لم يصنع شيئًا؛ يجب القيام بإصلاحٍ جذريٍّ!
نقد الأفكار المبنيّة على التجديد الديني
إنَّ أغلب ما طرحه السيّد جمال الأفغاني حول وضع المسلمين و... كان صحيحًا، ولكن ما ورد في عباراته أنَّه يجب التصرّف والتغيير في أحكام الإسلام!٣ وهذا الكلام هو نفس فكرة التجديد الدينيّ التي انتشرت اليوم بين الأفكار. ومثلما قام البروتستان ضدّ الكنيسة وثاروا عليها وشكلّوا دينًا جديدًا في قبالها، فأصبحوا فرقتين، هؤلاء يقولون أيضًا: بشكلٍ عامٍّ هذا الدين الذي لدينا الآن، على سبيل المثال: هذه المرأة تضع الحجاب على رأسها، أو تلك المرأة التي تجلس [في منزلها]، وجميع النساء يجلسن في الخلف [في المسجد] ويلبسن الحجاب على رأسهنَّ، فما هذا الكلام؟! ولم يكتفوا بالقول فيما يتعلّق بالمرأة والرجل: «يجب إزالة الرجولة والأنوثة!» بل يقولون: «إنَّ هذا الكلام ليس صحيحًا أصلًا!».
- راجع نور ملكوت قرآن، ج ٤، ص٩٩ ـ ۱۰۱، نقلًا عنسيرى در انديشۀ سیاسی عرب [= جولة في الفكر السياسي العربي]؛ مطلع انوار؛ [= مطلع الأنوار]، ج ٣، ص ٢٦۰ و ٢۷۰ ـ ٢۷٣.
- إنَّ أقدس مدينة للمذهب البهائي [هي عكّا] وتقع في فلسطين المحتلة. (المحقّق)
- لمزيد من الاطلاع حول أحوال السيّد جمال الدّين الأسد آبادي الأفغاني وأفكاره، راجع: مطلع انوار [ = مطلع الأنوار]، ج٣، ص ٢٤٩ ـ ٢۸۰؛ نور ملكوت القرآن، ج ٣، ص ۱٢٣-۱٤٣.

