معيار قيمة العمل (2)
الوصف:
أهم محتويات المحاضرة: - خطبة عيد الفطر السعيد الأولى؛ - خطبة عيد الفطر السعيد الثانية.
معيار قيمة العمل (۲)
6فقال الإمام: «يا محمّد، تَواضَعْ لِلَّه!».
أي اخفض من نفسك! وقد أدرك جيّدًا هذا الرجل النبيل والكريم وهو رئيس القوم وشيخ العشيرة، مراد الإمام ذاك؟ إذ بين النّاس وخاصّة بين العرب، كبير القوم يجب أن يقوم بالأعمال الكبيرة والمهمّة، وأمّا الأعمال الصغيرة فهي وضيعة وحقيرة بالنسبة إليه؛ إلّا أنّ كلام الإمام تجلّى له وتربع على عرش قلبه.
وفي صباح اليوم التالي، حمل سلّة تمر وميزان وجلس أمام مدخل مسجد الكوفة، «فجَعَلَ يُنادي» نادى باستمرار: «تمر، تمر! أيّها الناس تعالوا واشتروا التمر!»، فحضر النّاس واشتروا منه والتفتوا إلى بعضهم البعض: «أليس الجالس هنا هو محمّد بن مسلم؟! وهو شيخ العشيرة وشريف القوم، فلماذا يبيع التمر؟!»، فكانوا يأتون ويذهبون باستمرارٍ، ويذمّونه، وهو لم يعتنِ بكلامهم، وكان مشغولًا ببيع تمره.
وما إن فرغت سلّته، حضر إلى الإمام وقال: «يا ابن رسول الله، انتهت مهمتي ووصلت لما أريد الوصول إليه!» فحضر قومه وعشيرته وقالوا: «الآن وقد انتهت مهمتك، اختر عملًا آخر!»، فقال: «أنا لن اختار أعمالي السابقة بعد الآن!»، فاعتمر قبّعةً، وحمل مطحنةً وجلس بين الطحّانين وانشغل إلى آخر عمره بالطحن.۱
فهذه هي كلمة الحقّ التي تستقرّ في القلب وتبدل المسار فورًا، وعندما يتبدّل المسار يحضر الله!
وأمّا يقولونه من أنّ «الدنيا نقد، والآخرة ليست بنقد» فهو كلام خاطئ! إذ الدنيا هي النسيئة والآخرة هي النقد؛ بل الدنيا ليست نسيئةً حتّى، بل هي باطلٌ! الدنيا تعني: شهوات الدنيا، الدنيا تعني: الهدر، الدنيا تعني: أداء الأعمال بدافع الإحساسات والدوّس على العقل تحت الأقدام، الدنيا تعني: الإنصات لكلام زيدٍ وعمروٍ وضياع الوجدان والواقعيّة، الدنيا تعني: الحياة في عالم التخيّل والوهم؛ هذا ما يُطلق عليه الدنيا، وهي باطلٌ، أمّا الله والآخرة فحاضرٌ.
ولو أثرّ كلام الإمام في قلب محمّد بن مسلم أكثر من هذا الأثر، لانتهى الأمر هناك في محضر الإمام ولما كان مُحتاجًا لأن يُمضي الليل ويأتي في الغد حاملًا الدلّة وسلّة التمر والميزان وينادي إلى جوار مسجد الكوفة ويبيع التمر؛ بل لكان انتهى أمره في تلك اللحظة!
- .الإختصاص، ص ٥۱.

