
جامعيّة الإسلام في الجمع بين حكمي العفو والقصاص
بيانات حول قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)
أهم محتويات المحاضرة: - الأوامر الأخلاقيّة في الإسلام حول العفو والتجاوز؛ - سبب علو القوانين الإسلامية ورفعتها مقارنةً بقوانين سائر المذاهب والملل؛ - كيفيّة تعامل أمير المؤمنين عليه السّلام مع قاتله؛ - وصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن عليهما السّلام حول كيفيّة التعامل مع ابن ملجم؛ - علّة عدم عفو الإمام الحسن عليه السّلام عن قاتل أمير المؤمنين.
جامعيّة الإسلام في الجمع بين حكمي العفو والقصاص
6ولو تجاوزنا عن هذا الموضوع، فعندما أصيب أمير المؤمنين عليه السلام، أوصى الإمام الحسن عليه السّلام بما يلي:
إذا شُفيتُ من هذا الجرح، فأنا أعلم ماذا أصنع به، وبالطبع سأعفو؛ لأنّ الله يحب العافين! وإذا نلت الشهادة بسبب هذه الضربة فأنت ولي دمي فلك أن تقتصّ ولك أن تعفو؛ ولكن إذا أردت أن تقتصّ فضربةٌ بضربةٍ مثل التي ضربني إيّاها (يعني: ضربةٌ واحدةٌ بالسيف؛ يجب أن تضربه بالسيف ضربةً واحدةً)، فلا ينبغي أن تقطعوا يده وقدمه، ولا أن تقطعوا أذنه وعينه، ولا أن تلقوه في النار حيّاً؛ فهذه الأمور حرامٌ في الشرع بأجمعها! فإنَّ القصاص هو أن تضربه بمثل هذه الضربة التي ضربني إيّاها، فإن شئت فاقتصّ وإن شئت فأعفو وذلك أفضل لك!۱
هذه هي وصية أمير المؤمنين. والآن، لنأتي ونحسب الأمر بناءً لهذه الجهة، فأوّلًا: لماذا يُريد أمير المؤمنين عليه السّلام أن يعفو؟ فإذا كانوا أحيانًا يتعافون من هذا الجرح ـ بناءً للفرض ـ فلماذا يعفون عنه؟ لأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام إمامٌ، والإمام لا حقد لديه، ولا غلّ لديه، ولا يُقيم حكومته بناءً على زينة الدنيا والآمال الزائفة، وليس شخصًا مستكبرًا، بل هو معصومٌ وكلّ أفعاله مبنيّةٌ على الحقّ!
فابن ملجم حينما ضرب الإمام عليه السّلام، كأنّه ضرب أيّ شخصٍ آخر؛ وهذه الضربة أضرت بالحقوق الشخصيّة للإمام عليه السلام وشقّت رأسه، فما هي أوامر الإسلام في هذا الشأن؟ فلو سألنا النبي: «ما هو حكم من ضربَ شخصًا آخر؟» فماذا سيقول لنا النبيّ؟ سيقول: إذا شئت اقتصّ، وإذا شئت اعفُ وهو أفضل لك!
وقد قام أمير المؤمنين بعين هذا الفعل؛ يعني: هو يجلس على الكرسي والمسند، وله الحكم في هذه الحكومة، وتحت سلطانه الشرق والغرب، إلّا أنّه ليس في قلبه هوى نفس ولو بمقدار رأس إبرةٍ كي ينتقم الإمام من ضربة السيف التي أصابت رأسه أو يتعدّى ذلك الأمر الصادر عن النبيّ وأساس الشريعة! فقال: «هو ضرب بالسيف، لذلك أملك حقّ القصاص فإن شئتُ عفوتُ، وبما أنّ العفو أفضل ونحن أهل العفو أيضًا، سأعفو!» إذن هذا كلّه صحيحٌ تمامًا، ولا يمكن تصوّر غير ذلك!
- . الإرشاد، ج ۱، ص ٢۱؛ الاختصاص، ص ۱٥۰؛ الطّبقات الكبرى، ج ٣، ص ٢٥ و ٢۷؛ الكافي، ج ۱، ص ٢٩٩ و ٣۰۰.
