
جامعيّة الإسلام في الجمع بين حكمي العفو والقصاص
بيانات حول قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)
أهم محتويات المحاضرة: - الأوامر الأخلاقيّة في الإسلام حول العفو والتجاوز؛ - سبب علو القوانين الإسلامية ورفعتها مقارنةً بقوانين سائر المذاهب والملل؛ - كيفيّة تعامل أمير المؤمنين عليه السّلام مع قاتله؛ - وصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن عليهما السّلام حول كيفيّة التعامل مع ابن ملجم؛ - علّة عدم عفو الإمام الحسن عليه السّلام عن قاتل أمير المؤمنين.
جامعيّة الإسلام في الجمع بين حكمي العفو والقصاص
5كيفيّة تعامل أمير المؤمنين عليه السّلام مع قاتله
لقد ضرب ابن ملجم المرادي أمير المؤمنين عليه السّلام، وفي المقابل نجد أنّ الإمام عليه السّلام قد أوصى به خلال ذينك اليومين عدّة مرات ضمن وصاياه. أوّلًا: قبل ليلة التاسع عشر من شهر رمضان وهي الليلة التي كان غالبًا ما يُخبر أنّ ابن ملجم المرادي سيقتلني فيها، فقال الأصحاب له: «فلماذا لا تقتله أنت الآن؟» قد أورد عددٌ من الأصحاب هذا الإشكال على الإمام عليه السّلام.
فأجاب الإمام عليه السّلام:
«وَيحَكم!»؛ ما هذا الكلام الذي تتفوهون به؟! بأي ذنب أقتله الآن؟! فللآن لم تقع الجناية كي اقتصّ منه وليس للقصاص من معنى قبل الجناية!۱
فإذا اقتصّ إنسانٌ قبل الجناية فسيكون هو الجاني لا ذلك الشخص الذي يريد أن يرتكب جنايةً لاحقًا. ولو قتل أمير المؤمنين عليه السّلام ابن ملجم قبل أن يرتكب أيّ جنايةٍ، ففي هذه الحالة وفي تلك الحالة سيُحسب الإمام على أنّه هو الجاني وسيكون حقّ القصاص لابن ملجم! إذن في الإسلام، لا يكون القصاص قبل الجناية.
فأجاب الإمام عليه السّلام بهذه الطريقة، وإضافةً إلى ذلك قال:
كيف أقتل قاتلي؟!
أي إنَّ هذا الكلام الذي تقولونه: «إنَّ ابن ملجم المرادي هو قاتلك، فاقتله»، إنّ هذا الكلام عارٍ عن الصحّة وهو خطأٌ بخطأ من وجهة نظر الفكر الفلسفي؛ لأنّه إنّ كان هو قاتلٌ فهو قاتلي، فإذا قتلته فإنّه لن يعود قاتلي. إذن قدّر الله في عالم القضاء والقدر وفقًا لسلسلة أسبابٍ ومُسببّاتٍ أن يقتلني، فمن المحال أن أستطيع قتله. وإذا قتلته، فسأكون قد قتلت شخصًا بريئًا، ولم أقتل قاتلي؛ فإنَّ قاتلي هو ذلك الشخص الذي قتلني وبعد ذلك أقتله، ولكن الآن هو لم يقتلني بعدُ فإذن هو ليس قاتلي، إذن فأنا قتلتُ شخصًا بريئًا!
لقد أجاب الإمام عليه السّلام هكذا، ففي بعض الأحيان كان ابن ملجم يأتي إلى محضر الإمام ويقول:
يا أمير المؤمنين! لقد سمعت أنّك قلت عني كذا! فهذا السيف حاضرٌ، فاقتص مني!٢
فكان الإمام عليه السلام يجيبه بهذه العبارة، ويقرأ بيتين من الشعر عنه.٣
وصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن عليهما السّلام حول كيفيّة التعامل مع ابن ملجم
- . بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢۷٥ نقلًا عن أبو الحسن البكري في مقتل أمير المؤمنين عليه السّلام، بإسناده عن لوط بن يحيى عن مشايخه.
- . بحار الأنوار، ج ٤٢، ٢٦٢.
- . الإرشاد، ج ۱، ص ۱۱ - ۱٣، مع أدنى تفاوت.
